You are here

سجن مزرعة طرة .. قصة مصر في 7 سجون

 

 

عنابر تختصر الحياة السياسية في مصر.. فيها تجد الشيوعي والإخواني والتائبين من الجماعات الإسلامية مع المتهمين بقضايا الفساد والتجسس لصالح دول أجنبية وعربية. كوكتيل مصري بامتياز يجمع كل أطراف اللعبة السياسية في المحروسة.

 فمن رجل الأعمال الذي تورط، إلي السياسي الذي تجرأ، مرورا بالجاسوس الذي أفرج عنه.. يشكل سجن مزرعة طرة نموذجه الفريد ليصبح بالفعل مختصر السيرة الذاتية لمصر المحروسة بين أربعة جدران.


اتبعت الداخلية في تقسيم سجن المزرعة الشهير عدة اعتبارات جعلته نموذجا منفصلا عن منظومة السجون المصرية ككل. فالمزرعة مقسمة إلي 7 عنابر يسع العنبر في المتوسط 350 فرداً بإجمالي 2450 سجيناً. وتختلف معاملة إدارة السجن لهذه العنابر حسب الرؤية الأمنية. فعنبر الجنائي خاضع تماما لسيطرة رجال مباحث السجن وإدارته ،علي عكس العنابر الستة الأخري والتي اكتسبت اسمها الرسمي من طبيعة المعتقلين فيها، فهناك - بجوار الجنائي - عنبر الإخوان وهو مركز احتجاز القيادات الإخوانية. أما العنبر الثالث - عنبر السياسيين - فيضم المعتقلين الذين " تابوا " علي يد الداخلية من الإسلاميين، كما يضم أيضا بعض الكوادر الحزبية.
ويأتي عنبر التخابر والذي يحمل الرقم 4 بين عنابر المزرعة كأحد مراكز الاحتجاز الضبابية، حيث تتوارد عنه معلومات متضاربة باستمرار سواء من بعض المعتقلين السابقين أو من منظمات حقوق الإنسان. فهو يضم مزيجاً غريباً من المتهمين بالتخابر لصالح إسرائيل وليبيا وإيران.


و يعتبر عنبر ضباط الشرطة والقضاة - عنبر 5 - أكثر أماكن سجن المزرعة غرابة وتميزا، حيث يوجد به - حسب تقرير جمعية مساعدة السجناء - 8 ضباط برتبة نقيب و5 برتبة رائد واثنان برتبة لواء، بالإضافة لعشرة سجناء برتبة ملازم أول. ويفيد التقرير أن العنبر مخصص لاستقبال الضباط والقضاة المتهمين في قضايا الرشوة، وبعضهم صدرت ضده أحكام نهائية بالفعل. ويعتبر هذا العنبر أكثر أماكن طرة تميزا، فكون المساجين من الضباط والقضاة يضفي علي المكان نوعا من التغيير الملحوظ في المعاملة، سواء بتحديد زيارات شبة يومية أو في معاملة إدارة السجن، وتساهلها في إدخال كل ما يريده الضباط من الخارج.


أما العنبر "6" فهو عنبر تأديب يتكون من 7 زنازين انفرادية مساحتها 2متر في 2متر، بلا إضاءة ولا فتحات تهوية، خاصة في عنبر 6. مع تخصيص إدارة السجن زنزانة كدورة مياه جماعية. وبخلاف العنابر الأخري يقضي المعتقلون في التأديب حياتهم داخل زنازين مغلقة ممنوعين من التحدث إلي بعضهم. فجدران الزنازين الأسمنتية هي حدود عالمهم بالكامل.
وبرغم الأوامر المشددة لعنبري التأديب بقطع الاتصال نهائيا عنهم فإن الوضع يختلف حسب الأوامر. فالجاسوس الإسرائيلي عزام عزام ومعه الجاسوس طارق عماد الدين - مصري متهم بالتخابر مع الموساد ونقل معلومات حساسة لإسرائيل - يخضعان لمعاملة خاصة في عنبر التأديب المجاور رقم 7، والذي يتطابق مع عنبر 6 في تكوينه.

فحسب تقرير جمعية مساعدة السجناء: "الزنزانة التي تقرر نقل الجاسوسين إليها معدة بشكل جيد حيث تتوفر إضاءة دائمة ومياه، كما أن المكان معد بشكل جيد لاستقبال طارق وعزام، والغريب أن سيارة السفارة الإسرائيلية تحضر للسجن يوميا كل ما يطلبه عزام وطارق".. ويضيف التقرير: "ونأمل أن تحظي السفارة المصرية في إسرائيل بمعاملة المصريين المحبوسين هناك بنفس المعاملة التي تعاملها السفارة الإسرائيلية لرعاياها - والمتعاونين معها - في مصر". 
من ناحية أخري وفي نفس العنبر تحتجز الداخلية 18 متهما بالتخابر لصالح ليبيا منذ 1977. وبرغم تشديد الحراسة عليهم فإن المعتقل، عبدالصمد الشرقاوي، نجح في إعداد رسالة ماجستير في الاقتصاد الإسلامي من داخل السجن بعد مساندة منظمات حقوقية. كما تحتجز الداخلية 5 طلاب أردنيين منذ 1991 أصيبوا جميعا بعدة أمراض مختلفة نتيجة ظروف السجن السيئة.

وفي نفس المكان وحسب " مصريون ضد التعذيب" تعرض أربعة من البريطانيين هم "مجيد نواز، وإيان مالكولم نيزبت، ورضا بانكهيرست، وحسن ريزفي" للتعذيب والصعق بالكهرباء في مزرعة طرة لمدة خمسة أيام متصلة مما استتبع ردود فعل بريطانية غاضبة. وتلاه حكم بالسجن لمدة 4 سنوات انفرادي علي خلفية اتهامهم بعضوية حزب التحرير الإسلامي.


الدخول إلي المزرعة.. كيف يصنع طرة كوكتيله الخاص


في أحد أشهر قضايا الرأي عام 1998 حكم القضاء علي الصحفي جمال فهمي بالسجن لمدة ستة أشهر قضاها في سجن المزرعة. يقول فهمي لـ"البديل": الطريق إلي طرة بدأ من أكبر احتفالية تجمع المثقفين في مصر.. من معرض الكتاب حيث توجه الكاتب ثروت أباظة إلي الرئيس مبارك بشكوي علنية ضدي. فكان الضوء الأخضر من مؤسسة الرئاسة حين قال مبارك للشاكي: "قدامك القضاء يا ثروت خد حقك هناك". وحتي تلك اللحظة لم أكن أتصور أن إيماءة الرئيس تعني السجن. فبسرعة قياسية بدأت محاكمتي. وحكم علي بالسجن لمدة 6 أشهر قضيتها بمزرعة طرة بعد فترة ترحيل قضيتها في سجن الاستئناف".


يضيف جمال فهمي: "دخلت عدة معتقلات سابقا كأحد النشطاء السياسيين مثل معتقل القلعة. لكن في طرة رأيت كم التغيرات التي جرت في إدارة السجون المصرية. فبرغم وجودي في عنبر سياسي إلا أن وجودك في السجن يعطيك فكرة عما يدور بشكل حقيقي داخل مصر. مرة سألني أحد الجنائيين الذي تعرفت عليهم عن سبب الحبس، فأجبته: قضية نشر وأخدت 6 أشهر. فأشار لنفسه - وكان نشالا محترفا -: يعني النشل أحسن من النشر بقي أنا نشال وواخد 3 شهور بس!". ويؤكد فهمي في شهادته أن "مصر ثاني أكبر الدول في نسبة المساجين بعد الولايات المتحدة. فكل شيء في مصر محكوم بالمعني الحرفي. فخلال السجن عرفت أنك لو غنيت غلط تتسجن ولو مثلت غلط تتسجن ولو صورت في الشارع تتسجن".. يتابع فهمي: "هناك عطب خطير في مرفق العدالة بالدولة. فالسجن هنا ليس مجرد مكان لاحتجاز أفراد خطرين علي أمن المجتمع كما هي العادة في كل الدول. ففي مصر السجون والمعتقلات هي الموطن الأصلي للمصريين. فخلال 6 أشهر رصدت الشرائح والفئات في الموجودة حولي. فوجدت رجال أعمال مع تجار مخدرات وصحفيين معارضين مع رموز الحكومة، ونشالين وموظفين تأخروا في دفع قسط غسالة. فوصلت لقناعة بأن الشعب المصري مطلوب في نظر الداخلية. والغريب أن نفس الشعور وصل لضباط السجن، فكان أحدهم يسب الحكومة ليل نهار مع كل ترحيلة، وحين تكلمت معه أخبرني أن الدولة أنفقت 10 مليارات جنيه لبناء السجون وأضاف ده جنان رسمي".


يضيف جمال "شاهدت هناك حقائق عن تزاوج السياسية والفساد. فأحد المساجين - رفض ذكر اسمه -  المتهم في قضية اللحوم الفاسدة في أواخر التسعينيات كان مشهورا بزياراته الرسمية المستمرة التي قام بأحدها أحمد فتحي سرور وبعض الوزراء وحين سألته عن طبيعة العلاقة أجابني: أنا زي ما أنت عارف جزار وتاجر لحوم كبير وكل عيد لابد يروح لكل وزير خروفين ثلاثة من عندي قبل يوم العيد بأسبوع وبعد ما يستلم المسئول يتصل قبل العيد بقليل ليخبرني انه لا يملك مكانا كافيا لهذا العدد فاذهب واشتري منه ما سبق أن أهديته له قبل أيام وتصور في سنة واحدة اشتري 3000 رأس للهدايا ثم أعيد شرائها من الكبار مرة أخري".


وفي مقابل الزيارات الحكومية فإن زيارات المثقفين ظلت تتم بشكل آخر ففي 25/8/1998 وأثناء زيارة وفد نقابة الصحفيين لجمال فهمي اعتدي أحد ضباط السجن علي الصحفي يحيي قلاش وعدد من الصحفيين منهم جلال عارف ورجاء الميرغني ومحمد عبد القدوس. وحسب فهمي كانت حجة الداخلية أن الضابط مختل عقليا ولا تجب محاسبته. يقول فهمي "عرفت بالخبر في اليوم التالي من الصحف التي سمح بدخولها وفوجئت بتعرض وفد نقابي علي هذا المستوي للضرب والسحل" ويضيف ضاحكا "رغم العلقة استمر الزملاء في زيارتي حتي خرجت".


شعار الداخلية.. الجاسوس دايما علي حق


رغم أن أغلبية المتهمين في مزرعة طرة من السياسيين إلا أن الداخلية لا تتنازل عن ولعها بفكرة زنازين التأديب. يقول نظمي شاهين أحد أعضاء تنظيم ثورة مصر: " السجن سجن ولو في البيت. أنا قضيت 14 عاما من الحبس الانفرادي المتواصل من سجن لسجن كل واحد في غرفة لمدة 14 سنة عدا بضعة أشهر كانت كل عهدنا بالحبس الجماعي - نحن الأربعة أعضاء التنظيم فقط - ثم انتقلنا عقب وفاة العميد محمود نور الدين للانفرادي مرة أخري حتي انتهاء المدة في 20/9/2002". 
يضيف شاهين "المزرعة ليست أبدا سجن خمس نجوم كما يروج البعض فالواقع أن حديثهم عن السجن بهذا الشكل يعطي مبررا للداخلية في مزيد من التنكيل بالمساجين. فالحبس الانفرادي لمدة 14 سنة تعذيب يفوق الخيال. مرة سألت نفسي يا تري أنا لسه بتكلم ولا نسيت الكلام؟. وبدأت أتحدث لنفسي كي لا أفقد القدرة علي النطق وأصرخ فجأة بصوت عال حتي سمعت الإدارة فخصصت لنا نحن الأربعة أحد أفراد الأمن يأتي إلي كل زنزانة ليتحدث مع كل منا في مكانه حوالي نصف ساعة في اليوم كي لا نفقد القدرة علي الكلام فعليا. وحين انتقلنا في البداية من أبوزعبل شديد الحراسة لسجن المزرعة لم أكن أستطيع الجلوس علي كرسي فطوال 10 سنوات لم أر غير أسفلت الزنزانة. بعد عدة أشهر خرجنا للانفرادي مرة أخري كل واحد في زنزانة خاصة مع وفاة محمود نور الدين ودخول الجاسوس الإسرائيلي عزام عزام السجن". 
يضيف شاهين "لم يكن الإسرائيليون كائنات غريبة علينا فنحن كتنظيم استهدفنا قتل عملاء الموساد في مصر ولهذا السبب حكم علينا بالمؤبد. وسبق أن كان معنا تاجر مخدرات إسرائيلي اسمه "ياريف". خصصت له إدارة السجن مكتب ضابط العنبر كزنزانة بها مكتب وبانيو وكنا نري باستمرار واردات السفارة ترسل له حتي مجلات البورنو والإدارة تسلمها بكل فخر. فضلا عن كل المزايا التي لا تتوافر حتي للضباط" يتابع شاهين "أما عزام فكانت الحالة مختلفة تماما حيث كان وجوده في المزرعة سببا في العديد من المشاكل. فكان زواره من السفارة وكذلك طعامه وشرابه وملابسه وبمجرد أن يبدأ عزام تمارينه الصباحية تتوقف الحياة في السجن تماما وتغلق الزنازين ويتوتر الضباط رغم أنه جاسوس بحكم المحكمة".
ويضيف شاهين عن وفاة قائد التنظيم "في يوم وفاة محمود فوجئنا بحرارته ترتفع فوق الأربعين وطول الليل كنا بنعمل له كمادات ونحاول ننادي علي ضابط النظام بلا جدوي حتي أن محمود نظر إلينا وقد تحول إلي كتله من المياه قائلا: "كفاية أنا تعبتكم وتعبت" وفي الصباح صادف أنه موعد زيارتي وفوجئت بحمادة شرف يخبرني بالوفاة وأن مأمور السجن تكتم الأمر. فعدت للزنزانة حتي أتي طبيب برتبة عالية وعدة لواءات. فخشينا نقل الجثمان للثلاجة في أبوزعبل كي لا يشمت عزام - فقد نقلوه لهناك خوفا عليه منا - فرفضنا تسليم الجثة حتي تأتي النيابة وسجلت في المحضر أقوالي أن محمود توفي نتيجة الإهمال الطبي الجسيم وأن الداخلية حاولت التكتم علي الأمر وأنه ظل طوال الليل يعاني من الحمي وأنه أصيب بأمراض القلب والغضروف وعرق النسا من النوم علي الأسفلت في الانفرادي لمدة 10 سنوات متصلة انتهت بوفاته. فعوقبنا بالنقل من زنزانة تجمعنا نحن الأربعة وعدنا مرة أخري للانفرادي كي يعود عزام مرة أخري لممارسة الرياضة في السجن "


توبة الداخلية: كيف يتحول أبناء العنف لأبناء السلطة؟ 


في أواخر التسعينيات وقع الآلاف من أعضاء الجماعات الإسلامية علي ما سمي وقتها بإقرار التوبة دون شروط فصدر قرار بنقل القياديين التائبين إلي سجن المزرعة بعد أن أقروا بالتوبة في السجون شديدة الحراسة. ورغم مكافأة القياديين والتائبين بنقلهم للمرزعة إلا أن توبة الداخلية لم تكتف ببصمة المعتقل علي ورقة بيضاء لكنها تطمح دائما لما هو أكثر.

يقول القيادي اليساري كمال خليل أحد المعتقلين السابقين بالمزرعة" دخلت طرة عدة مرات عام 1998 و2003 علي خلفية تظاهرات القوي الوطنية المناهضة لغزو العراق. وقابلت مجموعة من التائبين في المرتين وكان أغرب ما شاهدته في المزرعة أحد التائبين من أعضاء الجماعة الإسلامية الذي كان يقوم بدور الإمام في صلاة الجمعة وفور صعوده علي المنبر يبدأ في الدعاء للرئيس مبارك وللداخلية والنظام ككل وليس هذا فقط بل تتحول الخطبة لحفلة سباب ضد أفكار الجماعات الإسلامية نفسها وكيف أنهم أفسدوا في الأرض وخرجوا عن ولي الأمر إلي آخر هذا الكلام. فدهشت للغاية من هذا الشكل المهين في التعبير عن تغيير أفكاره التي أراها خاطئة فسألته عن السبب فاخبرني "أنا من 3 سنين هنا كل جمعة أطلع علي المنبر أعمل نفس الموال ده وأدعو للحكومة والرئيس والوزير بطول العمر وألعن الجماعة رغم اني محبوس معاهم والمصلين أغلبهم منها بيأمنوا علي الدعاء ورغم ذلك لم يفرجوا عني حتي الآن".


يضيف خليل "مرة أخري في 1998 ناداني أحد التائبين يا كمال يا شيوعي ففوجئت بصوت محمود نور الدين رحمه الله يسب الرجل ويحذره من الاقتراب مني وكانت له وللتنظيم هيبة وخبرة طويلة بالمعتقل فسألت محمود لماذا نهرته فأنا يساري ولا أخفي ذلك فاخبرني أن نداءه علي بهذا الشكل طريقة لتحريض التائبين ضدي خاصة أني كنت معهم في نفس الزنزانة. بعدها عرفت أن أهم واجبات التائب أن يكون عصفورا بالمجان".


يتابع كمال خليل بعد قليل من الصمت "أعرف أن سمعة المزرعة كسجن خمس نجوم وما إلي ذلك إلا أن الواقع يقول أن المزرعة مثل أي سجن حيث يوضع ضباط مصلحة السجون كواجهة فقط أما القرار الحقيقي فهو لضباط أمن الدولة فبجرة قلم من أحدهم يتحول السجن من سجن خمس نجوم لجحيم خمس نجوم وكل ضابط وله طريقة