الكرنك- محمد السيد سعيد

Submitted by تعذيب on Thu, 2008/04/03 - 18:15.

 

كتبه الدكتور محمد السيد سعيد- ونشرته جريدة "البديل

كنت أظن أن قوات الأمن المركزي تجري من موقع أزمات لآخر لتقوم بدورها في قمع الجماهير في عشرات من المواقع. وكنت أشعر بتعاطف شديد مع جنودها المساكين وهم ينقلون من مدينة لأخري، أو بين المحافظات لمباشرة مهمة البطش. والواقع أن التعاطف مع الجنود وصغار الضباط تقليد قديم للحركة الوطنية المصرية.

ويبدو مع ذلك أن نظام مبارك أخذ باستراتيجية أخري تماما، فقد تضخمت أعداد هذه القوات بصورة مريعة وصارت لكل محافظة ـ وربما لكل مدينة ـ قواتها الخاصة بها. وقد تحصل علي دعم سريع من محافظة أو مدينة أخري. ولكن النظام ضمن الاكتفاء الذاتي من البطش في كل مواقع الاحتجاج والمقاومة في مصر.
هذا الاكتفاء الذاتي يضمن سرعة خارقة في الاستجابة القمعية للحركات الاحتجاجية. ويبدو أن فائض الأمن المركزي في كل المواقع ضمن للنظام القدرة علي احتواء المظاهرات والمسيرات الشعبية


ويبدو أن نجاح هذه الاستراتيجية اللامركزية خدع النظام السياسي وجعله يمضي بثقة في تطبيق سياساته بدون حاجة لكسب الشرعية. فتعمقت لديه عادة أن يفرض تدابيره وخططه وسياساته فرضا علي الناس سواء كانت مشروعة أو غير مشروعة حتي وفقا للقوانين التي يدبجها ويصدرها بحرية.


عقلية فرض السياسات والتدابير بـ"العافية" علي مجتمع لا يفهمها ولا يتعايش معها ولم يشارك في صنعها ولم يعلم بها أحيانا إلا وهي تطبق علي يد جهاز بيروقراطي عقيم هي أسوأ ما في هذا النظام. المشكلة هي أنهم ينظرون للشعب كرعايا أو ككتلة من الطين الصلصال. وسواء صلصل الشعب أم لم يصلصل! فالأمن المركزي جاهز والسجون والمعتقلات لا تشبع وهي مثل جهنم تقول دائما هل من مزيد!

 في حالات   كانت بعض القيادات تفهم ضرورة الحديث مع الشعب أو التفاوض مع مختلف القوي الاجتماعية للوصول إلي فهم مشترك أو صفقة سليمة تحقق مصالح عامة بدون التضحية بضرورات ومصالح حياتية ويومية. ولكنها سريعا ما تتخلي عن منهج التفاوض وتعود لمنطق البطش. ويبدو أن هذا هو ما حدث في حالة الكرنك. فقد بدأت الدولة بالعمل بصورة سليمة بإبلاغ الناس عن نواياها تهجيرهم مقابل تعويضات. ولكن الدولة سريعا ما تخلت عن التزامها بما تم التوصل له والاتفاق عليه، وانقلبت عليهم باستدعاء الأمن المركزي ـ كالعادة ـ وفتحت السجون أبوابها وتوقف الحديث عن حل تفاوضي.

 


( categories: )