
متابعة قضائية غير كافية
Submitted by تعذيب on Tue, 2007/12/18 - 14:06.
يتيح قانون الطفل إيداع الأطفال "المعرضين للانحراف" لمدة تصل إلى ثلاث سنوات في مؤسسة رعاية أجتماعية , أو تحت الاختبار القضائي , كما يتيح إيداع الأطفال "المعرضين للخطر" لمدة غير محدودة في مؤسسات رعاية اجتماعية . ويتطلّب القانون من محاكم الأحداث مراقبة الأوضاع في تلك المؤسسات , ويشتمل ذلك على القيام بزيارتها مرة كل ثلاثة أشهر . وفي الواقع العملي , فإن هذه المراقبة لا تجري على الإطلاق تقريباً , كما يظهر أن المحاكمات لا تفي بالحد الأدنى من المعايير الدولية لمحاكمات الأحداث .
ووفقاً لأحد الأخصائيين الاجتماعيين الملحقين بمحمكة الأحداث في القاهرة , فقبل العام 2001 لم تسعَ المحكمة أبداً لمراقبة الأوضاع في مؤسسات رعاية الأطفال , رغم أن اثنتين من كبريات هذه المؤسسات موجودتان في مجمع الأبنية ذاته الذي توجد فيه محكمة الأحداث , وأحداهما موجودة في المبنى ذاته . وحتى في فترة إعداد هذا البحث عندما كانت المحكمة تحت قيادة رئيس قضاة أكثر نشاطاً , لا تقوم المحكمة بمراقبة تلك المؤسسات مراقبة منتظمة . وقال أحد الأخصائيين الاجتماعيين , "من المفترض أن تقوم المؤسسات التي تديرها وزارة التأمينات والشئون الاجتماعية بإصدار تقارير كل ثلاثة أشهر , عن أوضاع الأطفال الذين في رعايتها , ولكن من النادر أن تصدرها , لأن القضاه لا يطلبونها . وفي ما يزيد عن خمسة عشر عاماً من الخدمة التي أمضيتها كأخصّائي اجتماعي مُلحق بمحكمة الأحداث لمستوى المحاكم الابتدائية والاستئناف , ففي السنة السابقة حصلت المرة الأولى التي يُطلَب مني زيارة مؤسسة , من قبل القاضي. في السنة الماضية طلب مني القاضي زيارة القاصرات مؤسسة رعاية اجتماعية , متخصصة في قضايا 'الآداب' , وهي معرّفة بشكل غير واضح على أنها أي قضية تتضمن جوانب جنسيّة ودور التربية , وفي شهر كانون الثاني (يناير) 2002 , قمت بزيارة مؤسسة عين شمس للأولاد ." 0 والأمر الطريف , أن هؤلاء الأخصائيين الاجتماعيين , عادة ما يكون لديهم معلومات من شأنها أن تيسّر عمل وكلاء النيابة والقضاه في مراقبة أوضاع الأطفال في المؤسسات , ولكنهم يفتقرون لأي آلية لمنح تلك المعلومات لمن يحتاجها : "أنا مخّول بزيارة مؤسسات رعاية الأحداث التي تديرها وزارة التأمينات والشئون الاجتماعية , إذ أنني أخصّائي اجتماعي موظف لدى وزارة التأمينات والشئون الاجتماعية ومسئول عن القيام بزيارات منتظمة لتلك الأماكن , ولكن التقارير التي أعدّها تذهب لوزارة التأمينات والشئون الاجتماعية , وليس لوزارة العدل ." وأخبَرَنا رئيس قضاة محكمة الأحداث في القاهرة , القاضي أحمد حسين محمد معاذ , بأنه من المستحيل على المحكمة الوفاء بواجباتها الخاصة بالمراقبة نظراً للإمكانات المتوفرة في عدد القضاه و الموظفين . "يُفترض بنا أن نزور مؤسسات الرعاية الاجتماعية , ولكننا لا نفعل ذلك لأننا لا نملك الوقت لذلك . ولو كان لدينا ثلاثين محكمة أحداث في القاهرة لما كان ذلك كافياً ."
إن نقص الموارد , والتوزيع غير الفعّال للموارد المشتركة , يتفاقم بوساطة نقص الاهتمام بمعالجة قضايا إساءات الشرطة . وأخبَرَنا الأخصائيون الاجتماعيون الذين يعدّون البحوث الاجتماعية الخاصة بقضايا الأطفال , أنه ومن واقع خبرتهم , إن القضاه لا يستفسرون على الإطلاق , عن معلومات متعلقة بإساءات الشرطة للأطفال . وحاول أحد الأخصّائيين الاجتماعيين شرح سبب هذا الأهمال , بالقول أن القضاه في الظروف الطبيعية لا يرون الأطفال في الوقت الذي تحضر فيه الشرطة الأطفال إلى النيابة , حيث يكون من الأكثر احتمالاً أن تظهر على الأطفال علامات واضحة على الإيذاء . "إن كل هذا يحدث في المرحلة السابقة لذهاب الطفل إلى النيابة العامة , وحينها لا يكون القاضي قد رأى القضية بعد . وبعد ذهاب الطفل للنيابة العامة , إمّا أن يُطلق سراحه أو أن يحتجز هنا , في دار الملاحظة , حيث يستحم الطفل ويعطى ملابس جديدة قبل ذهابة إلى القاضي . وعادة ما يمضي من أسبوع إلى خمسة عشر يوماً ما بين القبض على الطفل وانعقاد أول جلسة لمحاكمته , وبهذا فإن القاضي لا يدري ولا يسأل ." ومع ذلك , فإن النيابة العامة وغرفة الأخصّائيين الاجتماعين التي يجرون فيها المقابلات , ودار الملاحظة كلها تقع في المبنى الصغير ذاتة الذي توجد فيه المحكمة , وحرفياً فإنها لا تبعد عن بعضها البعض سوى بضعة خطوات .
كانت مجموعة صغيرة فقط من الأطفال الذين قابلناهم قد قالوا بإنهم مثلوا أمام القاضي . وهؤلاء وصفوا جلسات استماع غاية في القصر , حيث وجّهت إليهم أسئلة عن أسمائهم وعناوينهم فحسب . تُعد تجربة هاني ب. نموذجاً لما وصفه هؤلاء الأطفال : "سألتني النيابة أنا ساكن فين , وبعدين كتب أنّهُم يبعتوني طنطا . وبعدين سألني القاضي إن كنت عاوز اروّح البيت , وانا قلت له أيوه . هُمّ بسّ عاوزين يعرفوا إحنا من فين عشان يرحلونا ." وأخبَرَتنا د. عزّة كريم , ومن واقع خبرتها , أن القضاه يقررون وبصورة روتينية إعادة الأطفال إلى أسرهم : "أعتقد أنه لا يجب إعادة طفل إلى عائلة تسببت بتعرّضه للانحراف ... ولكن القضاه لا يعتقدون أن الأطفال يجب أن يكونوا في مؤسسات , ولهذا فهم يعيدونهم إلى بيوتهم . هناك الكثير من الحرية بأيدي القضاه لكي يفعلوا ما يشاءون ."
في حالتين فقط من الحالات التي تقصّيناها , كانت المحكمة قد أمرت بإيداع الطفل في مؤسسة رعاية اجتماعية . في واحدة منهما كان قد قبض على الطفلة أثناء مداهمة مبغى , وفي الأخرى كان الطفل متهماً بالسرقة . وصف سليمان م. , أربعة عشر عاماً , ما حدث عندما قُبض عليه قبل خمس سنوات وأدى ذلك إلى احتجازه لمدة ستة أشهر . "كان عندي حوالي تسعة أو عشر سنين . خدني البوليس لقسم السيدة زينب واتهموني بسرقة محفظة . فِضِلت أربع أيام في السيدة , وبعدين سبع أيام في الأزبكية , وبعد كده رحت النيابة العامة ... القاضي سألني إن كنت بشم صمغ {كٌلة} أو بدخّن سجاير , وبعد كده قال 'أخر الجلسة' . وأخر الجلسة قال , 'ست شهور .' ودا كل اللي حصل ." وقال سليمان أنه أمضى مدة محكوميته في مؤسسة في الجيزة , حيث لم يتلقَّ أي خدمات تعليمية أو تدريب مهني , وحيث يكثر ضرب الأطفال من قبل الموظفين . وقال , "كُنّا نصحى الصبح , ونبدا ننظف , وبعدين نفطر , وبعدين نشوف التلفزيون , وبعدين نتغدّى , وبعدين نلعب , وبعدين نتعشّى , وبعدين ننظَف , وبعدين نروح ننام . العيال اللي ما كانوش يسمعوا الكلام من الموظفين كانوا بيتضربوا . والعيال اللي كانوا بيهربوا , كانوا بيتعلّقوا . كانوا العساكر يرجّعوا العيال , و 'الأستاذ' يعلّقهم من رجليهم أو أيديهم , ويضربهم بعصاية أو شومة عصا غليظة ."
تتسق هذه الروايات عن المحاكمات الصورية , مع القضايا التي شاهدناها أثناء جلسات جرت في محكمة الأحداث في القاهرة في تموز (يوليو) 2002 .وكان القضاه والأخصّائيون الاجتماعيون الذين حضروا في ذلك اليوم , قد وصفوا حجم القضايا المعروضة في ذلك اليوم بأنه عادي أو خفيف , رغم أن عدد القضايا التي كان سيُنظر بها قد بلغ الخمسين ؛ وقد مثل الأطفال أمام المحكمة , في نصف تلك القضايا تقريباً . كان معظم الأطفال الموجودين متهمين بجنح وجنايات , ومن ضمنها القتل ؛ ولم يكن هناك سوى مجموعة صغيرة من المتهمين بأنهم "معرضون للانحراف" . وكان اولياء الأمر أو/و محامون يرافقون كثيراً من الأطفال المتهمين بجرائم خطيرة , ولكن ليس جميعهم . وكان من ضمن الأطفال القليلين المتهمين بكونهم "معرضين للانحراف" ثلاثة أولاد من غير ولي أمر يرافقهم , ويبدو أن أعمارهم تبلغ ست أو سبع سنوات , وكذلك كان هناك طفل يبلغ من العمر أربع سنوات متهم بالتسوّل ويرافقه أحد والديه . لم تستغرق أي من جلسات الاستماع أكثر من خمس دقائق , وفي معظم الحالات , لم يوجّه القضاه أي سؤال للأطفال سوى سؤالهم عن اسمائهم . أمّا الأخصّائيا الاجتماعيان الحاضران كما يتطلب القانون , فلم يتحدثا بالنيابة عن الأطفال , ما عدا حالات قليلة جداً , حين وجّه إليهم القضاه خلالها أسئلة محددة . وأخبرَنا الأخصائيون الاجتماعيون انهم يعتبرون هيئة القضاه هذه من أفضل الهيئات التي عملوا معها , وامتدحوا رئيس المحكمة , القاضي أحمد حسين محمد معاذ . وقال أحد الأخصّائيين , "انه يتفهّم ظروف الأطفال جيداً , وينتبه لبحوث الأخصائيين الاجتماعيين ويذكرهم في حكمه . لكن القضاه الأخرين لا يهتموا جداً ."


