الرعاية الصحية

Submitted by تعذيب on Sat, 2007/12/15 - 16:58.

 

عادة ما يكون الأطفال الذين يُقبَض عليهم بتهمة أنهم "معرضين للانحراف" , يعانون من مشاكل صحية خطيرة قبل القبض عليهم . وكان أكثر الأطفال الذين قابلتهم منظمة هيومان رايتس ووتش , قد عاشوا في الشوارع لفترات زمنية طويلة , وهذا بدوره عامل يزيد بحدة خطر تعرضهم لمشاكل صحية مزمنة , ومن ضمنها أمراض الجلد , وفقر الدم , والالتهابات المعوية الطفيلية , والتهابات من جروح لم تُعالج , والإدمان على المخدرات , وسوء التغذية .  ويبدو أن لا أحد منهم مؤهّل للاستفادة من العناية الطبية الممولة من الحكومة للأطفال الذين في سن الدراسة , لأنهم غير مُلتحقين في المدارس في الوقت الحاضر . وأخبَرَنا الأطفال أنهم , ونتيجة لذلك , لا يسعون إلى الحصول على العناية الطبية إلاّ إذا أُصيبوا بإصابات خطيرة .  وقالت عزّة س. , أربعة عشر عاماً , "الروحة على مستشفى الحكومة تكلّف  جنيه , وزيادة عليهم حق الدوا . ساعات اكون عيّانة قوي , بسّ انا بضغط على نفسي ."


أمّا البنات اللاتي يعشن في الشوارع فعادة ما يعانين من مشاكل صحية إضافية , متعلقة بالخطورة الكبيرة في تعرضهن للاغتصاب , والحمل المبكّر , والافتقار العام للعناية بالصحة الإنجابية . وأخبَرَنا أخصائيون اجتماعيون يعملون في إحدى المنظمات غير الحكومية المهتمة بالبنات اللاتي يعشن بالشوارع , أن العديد من البنات قد تعرضن للاغتصاب , وأن جميع البنات يفتقرن للمعلومات عن الدورة الشهرية والحمل والعناية بالحمل . وقال مدير مركز الاستقبال المخصص لأطفال الشوارع , "علينا أن نعلمهم حتى الأشياء الأساسية , وأكثرهن لا يعرفن شيئاً عن النظافة الشخصية والدورة الشهرية . وعلينا أن نخبرهن ماذا عليهن أن يأكلن عند الحمل , وأن يتوقفن عن ممارسة شمّ الصمغ الصناعي لأن ذلك يؤذي الطفل في الرحم ."


ومن المعتاد أن تقوم الشرطة في مقار احتجاز البالغين بحرمان الأطفال من العناية الطبية , فيما عدا الحالات الشديدة التي تكون فيها حياة الطفل مهددة . وأوضحت آمال أ. , ستة عشر عاماً , "إذا مرضت , تروح تدّي العسكري فلوس عشان يروح يشتريلك دوا ."  وأخبَرَنا زياد ن. بأنه أمضى ثلاثة أيام في قسم شرطة السيدة زينب , من دون أن يتلقّى عناية طبية لمداواة الجروح التي أصيب بها عندما قام أفراد الشرطة بضربه أثناء إلقاء القبض عليه . وقال , "كنت بنْزِف بسّ ما شفتش دكتور لغاية ما خرجت من الحجز ."  وقالت سميرة ي. , خمسة عشر عاماً , "لمّا تقول لهُم انُك عيّان ما يصدقوكش , وإذا شافوا إنّك عيّان خالص وكان باين عليك انّك حتموت , بيسيبوك تخرج ." وأخبَرَنا الأطفال أنهم لم يروا أبداً طبيباً يزور المحتجزين في مقار الاحتجاز في اقسام الشرطة , ولكن سميرة ي. أوردت أنها شهدت حالة تم فيها نقل مصاب إلى المستشفى . وقالت , "كانت وحدَة ست كانت جاية تزور راجل محجوز في قسم روض الفرَج , وحاولت تهرّبله شوية دوا مسّكن . الست دي كانت حامل بس ما كانشِ باين عليها , عشان هي تخينة ولابسه هدوم واسعة . العساكر مسكوها وضربوها ورموها في الزنزانة معانا . نزفت دم كتير قوي . قعدنا نخبّط على الباب وجه الضابط وخدها المستشفى . وبعد أربع أيام رجعوها الحجز تاني , بس كانت طرحت المولود ."  وكانت نوال أ. , تسعة عشر عاماً , هي الوحيدة بالإضافة لسميرة , التي قالت أنها رأت أحد المحتجزين في قسم شرطة للبالغين يُنقل للمستشفى . وقالت , "شفت وحدة ست كان عندها سكّر وكانت تعبانة خالص . إذا عييّت في الحجز , العساكر يسيبوك لحد ما تموت . هُمّ استنوا لآخر لحظة وبعدين اتّصلوا بالإسعاف ." 


أمّا توفّر الرعاية الطبية للأطفال في حجز إدارة رعاية الأحداث في الأزبكية , فهو أفضل بقليل , مما هو عليه الحال في مقار الأحتجاز لبالغين في أقسام الشرطة . فمن الأطفال التسعة عشر الذين كانوا قد احتجزوا في الأزبكية , أورد طفل واحد فقط يبلغ من العمر ستة عشر عاماً , عن تلقيه للعناية وذلك الطبية لإصابة أصيب بها على يد طفل آخر في الحجز, فقد قال طارق أ. , "آخر مرة اتحجزت فيها , رحت المستشفى , كان واحد من العيال الكبار ضربني على جنبي , كنت بصرّخ من الوجع , فقاموا ودّوني المستشفى . ما كانشِ فيه تأخير , ادّاني الدكتور دوا , وبعد كده رجعت الأزبكية والعساكر ودّوني البيت ." ورغم أنه أصيب بذلك قبل شهرين , إلاّ ان طارق لا يزال يعاني من الألم عندما يتحرّك , وقال "ما فيش علامة من برّه , بسّ هيّ لسّه بتوجعني من جوّا ." 
والحالة الأكثر نمطية كانت الحالة التي أوردتها وداد ت. البالغة من العمر ستة عشر عاماً , إذ قالت أن الشرطة في حجز إدارة رعاية الإحداث في الأزبكية قد امتنعت عن تقديم العناية الطبية لإحدى الفتيات الثماني عشرة المحتجزات في الزنزانة معها في أوائل شهر تموز (يوليو)  . وقالت "كان فيه وحدَه مريضة قوي , و حرارتها طلعت , بسّ العساكر ما عملوش أي حاجة . إحنا بقينا نحط عليها ميّه علشان نبردها ."  أما منصور ن. , فحينما قابلناه بعد بضعة أيام من خروجه من الحجز في أوائل شهر تموز (يوليو)  , كان لا يزال يتنفّس بصعوبة , وكان هناك سائل شفاف يقطر من أذنه , وقال "انا كنت عيّان لمّا وصلت هناك , من كتر تدخين السجاير . الزحمة وقلّة التهوية خلوني أعيّا زيادة . ما كانشِ فيه أكل كفاية وما كانشِ فيه دكتور . بعد ما طلعت رحت الدكتور وادّاني روشتّه ." 

 

أخبَرَ اللواء سيّد محمدين , منظمة هيومان رايتس ووتش , أنه ليس من سياسة إدارته توفير العناية الطبية للأطفال المحتجزين , وقال "إن الفترة التي يمضيها الأطفال معنا قصيرة , ولهذا فنحن لا نقدم خدمات صحية في الأزبكية . هناك إسعافات أولية , أو أن الطفل يُنقَل إلى المستشفى , ولكن لا يوجد طبيب في الأزبكية ."  كما أخبَرَنا العميد ياسر أبو شهدي , مدير إدراة رعاية الأحداث في الأزبكية , بأن "مفتش صحة يأتي من وزارة الصحة مرة كل يومين ," ولكنه , وبوصفه المدير , هو الشخص المسئول عن تحديد حاجة الأطفال للعناية الطبية . وقال العميد ياسر أبو شهدي أنه يفعل ذلك بتفحّص الأطفال من خلال النظر إليهم في وقت إدخالهم إلى الحجز , رغم أنه ليس ضابط في الخدمات الطبية , وأنه قال أنه نُقل حديثاً إلى إدارة رعاية الأحداث بعد أن أمضى أكثر مدة خدمته في وحدة مكافحة المخدرات التابعة للشرطة . "عندما يأتي طفل , أنظر اليه من أجل أن أرى إذا كان لديه مشاكل صحيّة , وإذا كان لدي شك أنه مصاب بمرض معدي , أقوم بإرساله إلى المستشفى ." ومن غير المرجح أن هذا المستوى المتدنّي من التشخيص الطبي والتحويل إلى المستشفى , يجري في الواقع , إذ أن العميد ياسر أبو شهدي قد ناقض لاحقاً أقواله الأولى , إذ ذكر أنه قام بوضع أطفال في الحجز كان يعتقد أنهم مصابون بأمراض معدية , وأنه يقوم بالإشراف على حجز الأحداث باستخدام الهاتف الجوال (الموبايل) لأنه "تقريباً" لا يبقى في المبنى "إطلاقاً" . 


حتى لو قام الطبيب بزيارة حجز الأزبكية مرتين في الأسبوع , فإنه لن يجد إلا وسائل قليلة لعلاج الأطفال . فعندما طلبت منظمة هيومان رايتس ووتش رؤية "العيادة" , أطلعونا على غرفة صغيرة وضيقة وفيها طاولتان ومكتب صغير , وسرير لفحص المرضى وكرسي واحد وحوض . وكحال بقية المبنى , كان يبدو أن الأرض شُطفت بالماء منذ فترة وجيزة , ولكن الأثاث كان مغبرّاً وموضوعاً فوق بعضه إلىجوار الجداران . وبالرغم من الحرار الشديدة , كان المصدر الوحيد للتهوية , نافذة وحيدة مزودة بشبك معدني , وكانت مغطاة ببطانية تراكمت عليها طبقات كثيفة من الغبار , ويبدوا أنها لم تُزحزح من هناك منذ أسابيع . ولم تكن الغرفة تحتوي على أي مستلزمات طبية , أو أجهزة طبية , أو حتى صابون .