
الاوضاع خلال الترحيلات
Submitted by تعذيب on Sat, 2007/12/15 - 16:34.
في المرّة الأولى لدى ترحيلي إلى المحافظة التي أتيت منها , كان فيه خمسين أو ستين واحد في عربية الترحيلات , كبار وصغار . واحد من الكبار قال لي إن أنا 'ابن وسخة' . كنت متكلبش بالحديد , والكبار كانوا متكلبشين كمان , ما كنتش قادر اتنفس , وفكّرت إن انا حموت , كنت اصرّخ بس ما حدّش عمل حاجة . وما فتحوش الباب إلاّ لمّا وصلنا . كان في عيال صُغيرين بيعيطوا , بس ما حدّش عمل لُهم حاجة"
_ يحيى ح. , أحد عشر عاماً , القاهرة , مصر , تموز (يوليو) 00 .
عادة ما تقوم الشرطة المصرية بترحيل الأطفال في ظروف تشكّل انتهاكاً للمعايير الدولية , ومن ضمنها منع المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة . وكثيراً ما تقوم الشرطة بنقل الأطفال المعتبرين "معرضين للانحراف" مع بالغين وأطفال متهمين بجرائم خطيرة , وعادة ما يستخدموا لذلك سيارات ترحيلات لنقل المساجين سيئة التهوية , أو سيارات أخرى غير ملائمة . وفي بعض الحالات يُرحّل الأطفال مشياً على الأقدام , أو في وسائل المواصلات العامة , بينما هم مقيدين بأغلال حديدية أو حبال . ويتعرضون خلال ذلك للإهانة والتوبيخ من قبل العامة .
وبصورة عامة , تقوم شرطة القاهرة بترحيل أي طفل مُحتجز بوصفه "معرّضاً للانحراف" أربع مرات على الأقل : من مكان القبض عليه إلى حجز في قسم شرطة خاص بالبالغين ؛ ومن حجز البالغين إلى حجز الأحداث في الأزبكية ؛ ومن حجز الأحداث إلى النيابة العامة للأحداث ؛ وعودة من النيابة العامة للأحداث إلى حجز الأحداث . وإذا أمرت النيابة العامة للأحداث في القاهرة أو محكمة الأحداث بإعادة الطفل إلى عائلته في مدينة أخرى , يكون على الطفل القيام برحلة إضافية من حجز الأحداث بالأزبكية إلى قسم الشرطة في تلك المدينة . أمّا الأطفال الذين يُحكم عليهم بقضاء وقت في مؤسسة رعاية اجتماعية , أو مؤسسة عقابية , فإنهم يمرون أولاً عبر الأزبكية , في طريقهم من وإلى تلك المؤسسات
كل مرحلة من مراحل عملية الترحيل , تعرّض الأطفال إلى أخطار مختلفة . واستناداً إلى المقابلات التي أجرتها منظمة هيومان رايتس واتش , فإن السيارات المستخدمة في ترحيل الأطفال من مكان القبض عليهم , إلى أقرب حجز للبالغين في أقسام الشرطة , عادة ما تكون أكثر أمناً من السيارات الأخرى المستخدمة في الترحيل , وذلك لأنها تتسع عادة لعدد أقل من الأطفال , كما أن الاحتمال أضعف بأن تقوم الشرطة بخلط الأطفال "المعرضين للانحراف" مع الأطفال المحتجزين بسبب ارتكابهم جرائم خطيرة . ومع ذلك , هناك نوعان من السيارات يُستخدمان بكثرة أثناء القبض على الأطفال , ويثيران القلق بصورة خاصة . النوع الأول هي سيارة ترحيلات صغيرة , معروفة عموماً بإسم "البوكس" , إذ إنها مزودة بغطاء من القماش أو المعدن , يغطي القسم الخلفي من السيارة جزئياً , حيث يوجد بعض المقاعد الخشبية , وهذه المقاعد غير آمنة , إذ يتعرّض الأطفال الذين تكون أيدهم مقيدة , إلى خطر السقوط عن المقاعد الضيقة أثناء تحرّك السيارة , وكون السيارة مكشوفة من الخلف , فإن هذا يُعرّض الأطفال للظهور في هذا المظهر أمام عامة الناس , ويتعرضون لتوبيخهم . أمّا النوع الثاني فهو باص صغير (ميكروباص) , عادة ما يُستخدم في حملات القبض على الأطفال , عندما يُقبض على عدد أكبر من الأطفال في وقت واحد , مما يزيد من احتمال خلط الأطفال من فئات عمرية وخلفيات متباينة . وفي بعض الحالات , يكون هذا الباص الصغير مستخدماً كسيارة أُجرة , وتصادره الشرطة لاستخدامه , تحديداً , في تلك الحملات , ومن الممكن أحياناً أن يكون في حالة ميكانيكية سيئة . وعندما تستخدم الشرطة سيارات الترحيلات الصغيرة أو الباصات الصغيرة , بدلاً من السيارات الصغيرة , فمن الممكن أن يُمضي الأطفال فترات أطول في السيارات , إذا قرر أفراد الشرطة الانتظار حتى امتلائها , قبل رجوعهم إلى قسم الشرطة .
أمّا أكثر السيارات خطورة من التي تستخدمها الشرطة في ترحيل الأطفال , فهي سيارات إدارة الترحيلات في وزارة الداخلية . وهذه السيارات (عربيّة الترحيلات) هي شاحنات معدنية ضخمة زرقاء اللون , وتستخدم غالباً في نقل المتهمين والمدانين بارتكاب جرائم من البالغين . ولكن كثيراً ما تستخدمها الشرطة لترحيل الأطفال ما بين مقار احتجاز البالغين , وحجز الأحداث في الأزبكية والنيابة العامة . ويوجد في هذه الشاحنات أربع نوافذ صغيرة مزوّدة بقضبان حديدية , على كلا الجانبين الطويلين من الشاحنة , بالإضافة إلى نافذة أخرى على الباب الخلفي للشاحنة , ولا يوجد فيها مقاعد للمحتجزين . ويتسبب لون الشاحنة الداكن وتهويتها السيئة بجعلها شديدة الحرارة في الداخل أثناء فصل الصيف , كما أن خلوّها من المقاعد , يجعل من الصعب على المحتجزين تجنب السقوط أثناء تحرّك الشاحنة . ووصف لنا محامي حقوق إنسان , كان قد تعرّض للترحيل في شاحنات كهذه أربع مرّات أثناء صيف العام , وقال أنها كالجحيم . "لكي تتجنّب السقوط أثناء مسير الشاحنة , عليك التشبث بقضبان النافذة , ولكن عندما تكون القضبان معرّضة للشمس , فإنها تصبح شديدة الحرارة بحيث لا يمكنك الإمساك بها , وعليك أن تلفّها بقميص . كانت الرائحة رهيبة , وكان الجميع يتشاجرون للوقوف جوار النافذة من أجل التقاط نَفَس . كنّا نتشبث بالنوافذ لكي نتنفس , مع أن قضبان النوافذ وجوانب الشاحنة المعدنية كانت تحرقنا "
. وشهدت منظمة هيومان رايتس واتش عدة حالات , حيث احتُجز بالغون في شاحنات تابعة لإدارة الترحيلات , كانت متوقفة بجوار أقسام الشرطة , وكان المحتجزون يستخدمون ملابسهم الداخلية , للإمساك بقضبان النوافذ , ويتسولون المارة لإحضار الماء لهم
أخبَرنا الأطفال بأن سيارات إدارة الترحيلات , تكون أحياناً شديدة الازدحام , وفي العادة تقوم الشرطة بخلط الأطفال مع المحتجزين الجنائيين البالغين , وهؤلاء بدورهم يقومون بضرب الأطفال وشتمهم . وقال عمرو ر. , ستة عشر عاماً , "خدوني النيابة بعربية الترحيلات الزرقا شاحنة , وكنت بالكلبشات . وركبت في العربية مع رجّاله , فيه شويه شتموني . لكن واحد منهم ضربني , وانا كنت العيّل الحيد فيهم. الرحلة خدت ساعة , رايح جاي " . وأخبرنا أنور ر. بأن الشرطة قامت بنقله مع محتجزيين جنائيين بالغين لعدة مرات , خلال فترة أسبوعين ونصف قضاها في قسم شرطة الجيزة , وفي دار الملاحظة في الجيزة , وفي حجز الأزبكية , وذلك قبل إعادته إلى أسرته . وقال , "هُمَّ بسّ يرحلونا من قسم شرطة لَ قسم , لَحدّ ما يودونا البلد . رحّلونا بين أقسام الشرطة بعربية ترحيلات للمسجونين , مع الكبار . وكنّا مربوطين بحبال , بسّ الكبار كانوا متكلبشين . كانت بتشتي والجو برد , وفي كل مرّة كانوا يرحلونا في داخل القاهرة كانوا يرحّلونا بعربيات الترحيلات" .
علِمَت منظمة هيومان رايتس ووتش من الأطفال الذين تعرضوا لاعتداءات من قبل المحتجزين الآخرين أثناء الترحيل , ومن الأطفال الذين شهدوا اعتداءات كهذه , أن الشرطة لم تفعل شيئاً لحمايتهم من تلك الاعتداءات . وفي حالة واحدة على الأقل استغل أحد الحراس من حجز الأحداث في الأزبكية , قلّة الإشراف أثناء الترحيل , وقام بالتحرّش جنسياً بطفلة . وأخبرتنا منى أ. , ستة عشر عاماً , أن أحد الحراس من الشرطة قد هاجمها , وذلك أثناء ترحيلها ما بين حجز الأزبكية , وبين المؤسسة التي كانت محتجزة فيها , على خلفية تهمة آداب . وقالت "كان العسكري مراقبني من بدري , وكنّا بعربية ترحيلات مليانة بنات وأولاد من كل الأعمار , ولمّا العربية تتحرك , كل الناس إللي جوّاها تترمي من جنب لجنب , وقع الحارس عليّا , بس لمّا تحركنا تاني , ما رضيش يقوم عنّي" . وقالت منى أن الحارس قام بتثبيتها على أرضية السيارة , وأخذ يتحسس جسدها حتى قامت بضربه عدة مرات ؛ وشاركها بقية الأطفال بضرب الحارس حتى تركها . وقالت "عادة الأولاد من مدينتها الأصلية يحموا البنات إللي من هناك , بس ده كان عسكري" 0
.
في بعض الحالات تستخدم الشرطة القطار أيضاً لترحيل الأطفال والبالغين المحتجزين من أو إلى أقسام الشرطة أو مؤسسات معينة في محافظات بعيدة . ووصف أنور ر. عملية ترحيلة بالقطار إلى المحافظة التي أتى منها وقال "بعد أسبوع في الأزبكية , كان هناك جماعة مننا أصلهم من الصعيد , وبعتونا الصعيد كُلّنا مع بعض . كان في ناس كتير , وبعتونا بقطر للمسجونين . كانوا العيال الصُغيّرين مربوطين بحبال , والكبار متكلبشين , كُنّا كُلّنا مع بعض . كانت أول عربيتين في القطر للمسجونين , وباقي القطر للمسافرين . وكان فيه بوليس كتير , وما اعطوناش أكل واحنا في القطر . ركبنا الظهر ووصلنا بالليل" . وقال سيف س. لمنظمة هيومان رايتس واتش , بأن الشرطة أرسلته بالقطار إلى محافظات أسيوط والمنوفية ما يقارب العشرة مرّات , وذلك اعتماداً على ما كان يدّعيه عن مكان سكن أسرته . " لمّا يبعتونا البلد , يبعتونا بالقطر مع الكبار . وفي المرة اللي فاتت بعتونا شبين الكوم في المنوفية , وخدتنا تقريباً ساعة . ما فيش أكل على القطر بسّ في ميّه"
قال اللواء سيّد محمدين , مدير الإدارة العامة لمباحث رعاية الأحداث , لمنظمة هيومان رايتس ووتش " أصدرنا تعليمات لضباط الشرطة , بوجوب ترحيل الأطفال بصورة منفصلة وعربيات خاصة , وبعدم وضع الأطفال مع البالغين تحت أي ظرف ." وعندما طلبنا منه الرد على حالات محددة من الإيذاء جرت أثناء الترحيل , أقرّ بأن "الأشخاص المسئولين عن ترحيل الأطفال هم بذاتهم مشكلة" . ولكنه قال أيضاً أن المسئولية تقع على مديرية أمن القاهرة , وليس على الإدارة العامة لمباحث رعاية الأحداث , في التحقيق بأمر انتهاك السياسة الإدارية العامة , مما يُعرّض الأطفال للخطر
قال العديد من الأطفال الذين قابلناهم , بأن الشرطة تقوم بتقييد أيديهم باستخدام حبال أو قيود حديدية , في مراحل معينة أثناء القبض عليهم واحتجازهم . وأكثر ما تُستخدم القيود , هو أثناء الترحيل ما بين قسم الشرطة والنيابة العامة , ولكنها تُستخدم أيضاً لدى ترحيل الأطفال داخل البنايات , أو عند ترحيلهم بالقطار . وعادة ما يُقيَّد الأطفال إلى بعضهم البعض ليشكلوا مجموعة , ولا تسعى الشرطة لفصلهم بحسب الفئة العمرية أو بحسب التهمة . وقالت وردة ن. , ستة عشر عاماً , تصف عملية ترحيلها من إحدى مدن القناة إلى القاهرة , في شهر تموز (يوليو) 00 "طلّعوني القطر وكلبشوني مع بنتين , واحدة منهم كانت تهمتها قتل , والتانية شيكات من غير رصيد" . واستناداً إلى المقابلات التي أجرتها منظمة هيومان رايتس ووتش , يبدوا أن الشرطة لا تُفرّق بين الأطفال الصغار أو الأكبر سناً في استخدامها للقيود الحديدية . وكان أصغر الأطفال سناً ممن تحدثوا عن تقييدهم بالقيود الحديدية , هو طفل يبلغ من العمر أحد عشر عاماً , وقد قُيّد أثناء ترحيله بالقطار , مع محتجزين بالغين .
ويبدوا أن استخدام الحبال لتقييد مجموعة من الأطفال إلى بعضهم , أكثر ما يكون شيوعاً , عندما توقف الشرطة أطفالاً بوصفهم "معرضين للانحراف" على مبعدة شوارع قليلة من قسم الشرطة , وبعد ذلك يجبرونهم على المسير كمجموعة إلى القسم . ويمثّل الوصف الذي قدمته وداد ت. عن المرّة العاشرة التي جرى فيها إلقاء القبض عليها , في أوائل شهر تموز (يوليو) 00 , تجارب العديد من الأطفال , إذ قالت "قبضوا على خمس بنات معايا , وخدونا الأزبكية , ربطونا بحبل وأمرونا نمشي لغاية القسم , كانوا أربع عساكر , وما قالوش أي حاجة , بس إننا 'تسول' " . إضافة إلى ذلك , أخبَرَنا محامون وعاملون في جمعية المساعدة القانونية لحقوق الإنسان , بأنهم عادة ما يشاهدون الشرطة تقود مجموعات من الأطفال , مقيدين إلى بعضهم بحبال , وسيراً على الأقدام , من محطة المترو القريبة إلى مجمع محكمة الأحداث /دور التربية ، أو من قسم الشرطة القريب , إلى محكمة القاهرة للأحداث .
قال اللواء سيّد محمدين , مدير الإدارة العامة لمباحث رعاية الأحداث , لمنظمة هيومان رايتس ووتش , بأن الوزارة تمنع استخدام القيود الحديدية لتقييد الأطفال الصغار والأطفال "المعرضين للانحراف" . وقال "يمكن استخدام القيود الحديدية مع الإطفال الذين يرتكبون جرائم , ولكن من غير المسموح أن يُرحّلوا مع موقوفين بالغين أو في المواصلات العامة . ولا يُقيّد 'الأطفال المعرضون للانحراف' على الإطلاق , وهذا الأمر لا يشكّل مشكلة , لأن الطفل لا يشكل خطراً فيما إذا قام بالهرب . ومع ذلك , فما زلنا نرى حالات يقوم فيها حارس مع عشرين طفلاً تحت حراسته , ويستخدم حبلاً في تقييدهم , وفي هذه الحالات , نُعلم العسكري أن استخدام الحبال هو أمر خاطيء" . وأخبَرَنا ضابط شرطة متوسط الرتبة في قسم شرطة بولاق الدكرور , أنه يقرر استخدام القيود بناءً على سن الطفل , وليس على أساس التهم الموجهة له , "إحنا ما نحطّش كلبشات على العيال الصغيرين , تقدر تحط كلبشات على عيّل صُغيّر ؟ أنا ما اقدرشِ أعمل كده ؛ دا ما يكُنشِ صح . على كل حال , العيال الصُغيّرين يخافوا مننا , ف ما نحتاجِش نكلبشهم . ونحطّهم بسّ للعيال الكبار" .


