وقائع القضية

Submitted by تعذيب on Tue, 2007/01/09 - 15:39.

فيما يلى وقائع ما جرى فى (سراندو ) كما رواها ضحاياها، السطور القادمة كتبها الاستاذ محمد عبد العزيز محامى الفلاحين والمتهم الاول فى القضية!

ا. لإقطاع.. تحت حماية العسكر
وقائع تأديب وإذلال الفلاحين في 'سراندو'
فجر يوم الجمعة 4/3/2005.. وبينما كان أهالي عزبة 'سراندو' في محافظة البحيرة يغطون في نوم عميق.. ويتأهبون لشروق يوم جديد.. يصلون فيه الفجر.. ويتناولون بعض ما رزقهم به الله من حلال الدنيا.. استعدادا ليوم آخر من الشقاء.. فيما تبقي لهم من أراضي.. يقتاتون عليها.. ويتعيشون منها.. وينفقون علي أولادهم وأسرهم من ريعها.. بينما هم كذلك راضون بالقليل.. يعيشون في حالهم.. لا يريدون من الدنيا إلا 'الستر' في تلك الأيام الصعبة.. القاسية.. كل منهم يبحث عن رزق أولاده.. وليؤمن لهم بما يكسبه من عرق النهار والليل.. احتياجاتهم ولوازمهم الضرورية والملحة..

بينما هم غارقون في النوم.. ينتظرون بدء يوم جديد.. يطل عليهم في حياتهم.. إذ بحدث غير متوقع.. يدهمهم فجأة.. زارعا الخوف والرعب في نفوس أطفالهم.. وبين نسائهم.. وشيوخهم.. ممن عاشوا وقائع يوم لم يشهدوه منذ عقود من الزمن.. فقد كان كل شيء جري في هذا الصباح بمثابة 'صاعقة' أعادت إلي الوجدان.. وإلي الأذهان.. وقائع ذكريات صعبة.. ومقيتة.. ولت منذ زمن بعيد.. ولكن عادت هذه اللحظات.. بتفاصيلها الدامية.. الحزينة.. لترسم علي خارطة عزبة 'سراندو' لحظات مشابهة لتلك التي ظن سكانها أنها قد ولت بلا رجعة.

لقد استيقظ سكان العزبة علي وقع ضجيج.. واضطراب.. وأصوات مزعجة تجتاح بيوت الفلاحين من أبنائها.. حيث اتجهت قوة مدججة بالسلاح إلي منازل سبعة من الفلاحين.. لتقتادهم مكبلين بعد أن ألقت القبض عليهم من داخل بيوتهم دون سبب معروف.
فوجئ الأهالي بعملية القبض علي الفلاحين.. ولم يتصوروا أن ما جري إنما كان بداية لحملة من التأديب سوف تطال العزبة وفلاحيها بعد لحظات قليلة.. فعند تمام التاسعة صباحا كان صلاح نوار ¬ ولتتذكروا هذا الاسم جيدا ¬ كان يقود سيارته.. وسط موكب من السيارات الملاكي الفاخرة.. والجرارات الزراعية الضخمة.. والتي تحمل علي متنها أكثر من (100) شخص.. تمت الاستعانة بهم واستئجارهم خصيصا للقيام بواحدة من أكبر عمليات التأديب والبلطجة التي تمارس ضد فلاحين.. بسطاء.. لا يملكون من أمر الدنيا شيئا.. وكل جريمتهم أنهم وقفوا يدافعون عما تبقي لهم من أرض.. منحها لهم 'جمال عبد الناصر'.. يوم أن كانت مصر تتألم لألم الفلاح.. وتتوجع لوجع الفقير.. وتشعر بمعاناة كل من يطاله الظلم والاضطهاد.

في مشهد سينمائي.. وبطريقة أقرب إلي أساليب القرصنة.. وحروب العصابات.. قفز الأشخاص المستأجرون من فوق الجرارات والمقطورات الزراعية، التي حملتهم.. وراحوا يطلقون الأعيرة النارية في اتجاه منازل الفلاحين لإرهابهم.. دب الذعر في المساكن الفقيرة.. وانطلقت الصرخات من داخل البيوت.. وراح الهرج والمرج يعم العزبة بكاملها.. بعد أن تحولت في لحظات إلي ساحة حرب.. تصد العدوان.. الذي اندفع إلي العزبة في لحظة غير متوقعة.
وبينما كانت الأعيرة النارية تدوي في سماء العزبة.. وتنبئ عن حدث ما تجري صياغته في تلك اللحظات.. اندفعت الجرارات والمقطورات الزراعية لتمارس حربا من نوع مختلف.. فقد اتجهت بكل قوتها صوب الأرض التي بذل الفلاحون الجهد والعرق في زراعتها.. لتدمر ما بها من زراعات.. وتقضي علي عرق الغلابة.. وحصادهم المتوقع.

كانت الاستفزازات أكبر من تحملها.. فبينما كانت الصرخات تعلو.. والنحيب يزداد.. كان الغيظ قد تملك الجميع.. فاندفع الكل.. رجالا ونساء.. شبابا وشيبا وأطفالا.. ليذودوا عن كرامتهم.. ويتصدوا للطغيان الذي انهمر عليهم فجأة.. ولأن الحدث امتد بتداعياته إلي القري المجاورة التي هالها ما يحدث لأهالي عزبة 'سراندو'.. فقد انضمت جموع الفلاحين من قري 'المنشية وحبيب والبرنوجي والحمدية والعمرية" المجاورة.. ليخوضوا مع المعتدين معركة استرداد الكرامة.. ورد الاعتداء.

هكذا دارت رحي المعركة، التي ما أن انقشع غبارها.. وهدأت وتيرتها .. حتي راحت الخسائر البشرية والمادية تعلن عن نفسها في حادث كان أشبه بساحة حرب عاشتها القرية في تلك اللحظات التي مرت علي الفلاحين الفقراء.. كدهر من الزمان.
والمحصلة 'قتيل واحد هو علاء حسن نوار وإصابة أكثر من خمسين مواطنا'.. ناهيك عن تحطيم وإحراق ست مركبات.. هي عبارة عن ثلاثة جرارات زراعية ¬ بدون لوحات معدنية ¬ ملك كل من: 'حمدي حسن نوار ¬ علاء عبد الوهاب نوار ¬ صلاح حسن نوار'.. وثلاث سيارات ملاكي أرقام: 813866 ملاكي الإسكندرية ملك أحمد صلاح نوار.. و80874 ملاكي الإسكندرية ملك أيمن عبد الحميد نوار.. والسيارة 319315 ملاكي الإسكندرية ملك فاروق عبد العزيز نوار..


وحين اتخذت الإجراءات بعد أن هدأت المعركة، راح صلاح نوار يتهم 9 من الفلاحين بأنهم وراء الإصابات والخسائر التي حدثت.. ليتهم كلا من: 'عبد الرازق عبد الرازق أبو العلا ¬ محمد عبد الله الجيزاوي ¬ جميل عبد المنعم قابيل ¬ ناصر عبد الجواد أبو زينة ¬ عزمي عبد الجواد أبو زينة ¬ مصطفي عبد الحميد الجرف ¬ كرم محمد حسين الفقي ¬ محمد رجب خليل ¬ أبو طالب عبد الله أبو زينة' بالتعدي عليه بالضرب بالعصي وإلقاء الحجارة وكرات النار بتحريض من محمد عبد العزيز سلامة ¬ محامي الفلاحين وعضو لجنة الحريات بنقابة المحامين بالبحيرة ¬كاتب تلك السطور.
    لم يكن ما جري سوي واحد من أبرز وجوه الإقطاع السافرة.. التي عادت لتحتل موقع الصدارة في الحياة الاجتماعية المصرية.. وكان ما حدث في البحيرة هو عنوان وتجربة لحدث تكرر كثيرا.. وسيتكرر أكثر في ظل انحياز الأجهزة الرسمية إلي سلالة 'الباشوات'.. الذين عادوا في ثوب جديد، يحتمي بالبلطجة.. ويمارس القهر.. دون أن يجرؤ أحد علي التصدي له.. بل إن عملية التعذيب الجماعي التي تعرض لها الفلاحون في 'جرن العزبة' تؤكد أن الأمر خرج عن حدود احتكاكات قد تحدث بسبب نزاعات علي الأرض هنا أو هناك.. وتحول إلي سلوك يمارس تحت سمع وبصر الأجهزة المعنية.. والهدف معروف بالطبع.. فالإقطاع يمارس بسلوكياته تلك أساليب الترهيب علي الفلاحين لدفعهم للتخلي عن كل المكتسبات التي تحققت لهم في عهد الرئيس الراحل 'جمال عبد الناصر'.. والتي وفرت لهم ولأولادهم حياة كريمة.. لا تتجاوز حدود 'الستر'.

ومشكلة فلاحي عزبة 'سراندو' تعود إلي بداية الستينيات.. وقتها منحت الدولة المصرية كل فلاح قطعة أرض تتراوح مساحتها ما بين فدان ونصف الفدان.. وفدانين وفقا لقانون الإصلاح الزراعي.. إلا أن هذا المنح الذي أعطاه عبد الناصر لمن يستحق.. سرعان ما عادت العهود التالية لتنقلب عليه.. وتنحاز بشكل سافر إلي الإقطاع في مواجهة الفلاحين الفقراء..

وكانت محصلة ذلك أن عادت مساحات كبيرة من الأراضي المملوكة لورثة 'عيسي نوار' والتي كانت مؤممة في السابق.. حيث حصل صلاح مبروك نوار وهو أحد الورثة علي نحو 300 فدان تم استردادها.. ولم يقف الأمر عند هذا الحد.. بل راح الورثة يعقدون صفقات في الخفاء بيع بينهم وبين بعض وبأوراق صورية لنقل الملكية تحسبا لأي تفتيش قد يحدث من الإصلاح الزراعي لبحث الملكية بالأضافة لتواطؤ بعض المسئولين في الهيئة العامة للإصلاح الزراعي.. التي لم تسلم من الفساد الذي عم وزارة يوسف والي.. فمنحوهم زمام أكثر من 5 قري.. وفي مرحلة لاحقة من أواخر السبعينيات تم الضغط علي الفلاحين وإرهابهم لتسليم عقود الإصلاح الزراعي إلي الورثة واستبدال عقود محررة من صورة واحدة.. يوقع عليها المزارع وتحفظ عند 'صلاح نوار'.
استمر الحال علي هذا المنوال.. حتي العام ..1997 والذي شهد بداية تطبيق قانون العلاقة بين المالك والمستأجر ق 96 لسنة 92 في صورته الجديدة.. حيث تبدل عقد الإيجار ومعه إيصال أمانة يوقعه الفلاح علي بياض.. فيما استمر الورثة في فرض شروطهم واملاءاتهم علي الفلاحين الغلابة.. تارة بتهديدهم بفسخ العقد وإلغائه.. وتارة أخري برفع القيمة الإيجارية للفدان.. عاما بعد عام.. حتى وصلت إلي نحو (1500) جنيه للفدان في العام الواحد.. وكان من يرفض ترفع ضده قضية طرد ويتم الضغط عليه بإيصال الأمانة.

ولأن المياه في تلك المناطق لا تصل إلي نهاية الترع والمصارف.. ولأن أسبابا أخري أثرت علي حياة الفلاحين.. من بينها احتراق المحصول الصيفي.. وقد تعثر الفلاحون في سداد القيمة الإيجارية.. ففي المقابل كان 'صلاح نوار' ومعه الورثة قد استصدروا حكمين قضائيين غيابيين وذلك بالاحتيال على الفلاحين بوضع عناوين وهمية والتواطؤ مع المحضرين لعدم إعلانهم بالقضايا وكذلك الأحكام وحصل على حكمين غيابيين ولم يتم استئنافهم بسبب جهالة الفلاحين لتلك الأحكام وفى ظل عدم وجود محامين للفلاحين لرفع قضايا عدم اعتداد بهذه الأحكام الغيابية بل وصل الأمر إلى أن محضري محكمة مركز دمنهور تواطؤا مع صلاح نوار وسلموه الأرض بمحاضر تسليم ورقية   .. واستخدم صلاح نوار ¬ مثل كل الإقطاعيين الذين تبدو صورتهم الكريهة في الأفلام والمسلسلات ¬ نفوذهم.. ونفوذ بعض المسئولين الذين يشغلون مناصب هامة.. لتوظيفها لدي أجهزة بعينها.. راحت هي الأخرى تمارس دورها في طرد الفلاحين من أراضيهم.. عبر استخدام كافة وسائل الضغط لإلزام الفلاحين بالتوقيع علي تنازلات عن الأرض.. بعد تخييرهم بين التوقيع.. أو القبض عليهم بدعوى توقيعهم علي إيصالات أمانة يحتفظ بها الورثة

وفي الثامن والعشرين من ديسمبر من عام 2004.. كان الحدث قد تصاعد.. حين تم استدعاء الفلاحين إلي مركز شرطة دمنهور.. لإلزامهم بالتوقيع علي محاضر عدم تعرض ل'صلاح نوار' الذي كان يجلس.. لا يأبه بشيء.. إلي جوار المقدم محمد عمار رئيس المباحث.. في هذه اللحظات كان الفلاحون يتعرضون لتهديدات لا أول لها ولا آخر.. وسوف نترك روايتها للأجهزة المعنية علي لسان الفلاحين المضارين إذا ما سمح بإجراء تحقيق موضوعي وحقيقي حول وقائع ما جري.
كان ذلك جزءا من سيناريو تواصلت خطواته دون توقف.. ففي فجر الخامس من يناير الماضي فوجئ الفلاحون بقوة مكونة من رئيس المباحث ومعه مجموعة من المخبرين.. يقتحمون منازلهم.. ويعتدون عليهم أمام زوجاتهم وأولادهم الصغار.. وراحوا يحطمون أثاث المنازل المتواضعة تحت زعم البحث عن 16 فلاحا.. اتهمهم 'صلاح نوار' بالتعدي عليه والشروع في قتله.
كانت تلك التطورات المؤسفة والمثيرة.. والوقائع المريرة التي عشتها وسط الفلاحين واستجلت حقيقتها من علي ألسنة الفلاحين.


  ما وقع لعزبة 'سراندو' بمثابة علامة خطر.. وإشارة إنذار.. علي تطورات يموج بها الوطن.. تعيد قلب الأوضاع لصالح فئة تمتلك كل شيء.. ضد المحرومين من كل شيء.

علي بعد نحو 20 كيلو مترا من دمنهور.. كانت "سراندو" قد تحولت الى ثكنة عسكرية (ممنوع الأقتراب او التصوير). حتى السائقون على سيارات الخط توقفوا عن العمل.. خوفا مما وصفوه بالبطش الذي يتعرض له كل من تطأ قدماه أرض العزبة.. بل إن السائقين.. وشفقة منهم كان ينصحون كل من يريد التوجة الى سراندو بعدم التوجه خوفا على حياتهم أو اعتقالهم هناك.. غير أن كثير من الصحفيين الشرفاء والمراكز الحقوقية المختلفة  التي اعتادت علي مواجهة المخاطر.. وتحمل عبء الدفاع عن الفقراء والمحرومين.. والمظلومين والمقهورين.. لم تأبه لمثل هذه التحذيرات.. فقرروا التوجه إلي العزبة مهما كلفهم ذلك الأمر من تضحيات.
لقد كان ما سمعناه من فظائع ارتكبت.. وانتهاكات حدثت.. أكبر من أن يتم السكوت عليها.. لقد كان الفلاحون يصرخون ويستغيثون بمن ينقذهم مما يتعرضون لهم من مآسي لا تتوقف.. فيما الخطر يلف سماء العزبة.. متأهبا للانقضاض علي فلاحيها بين لحظة وأخري..

كان هنا طريق  يشق الزراعات الكائنة هناك.. ويؤدي إلي العزبة من الناحية القبلية دون أن يلحظ رجال الأمن.. أو الأشخاص الآخرون شيئا في الطريق.. بسرعة كان يتم اختراق الطرق الزراعية ، والأتجاة صوب العزبة.. وفي الطريق إلي هناك كانت ست سيارات من ناقلات الجنود.. ومثلها من سيارات الشرطة ربع النقل.. تحتل مداخل القرية.. فيما الجنود منتشرون علي مداخلها من الناحية البحرية.. وقد علمنا من بعض أهالي 'البرنوجي' أن عزبة 'سراندو' تقع تحت الحصار منذ اندلاع المصادمات صباح يوم الجمعة 4/3/2005 وحتي تاريخ الزيارات وبعثات تقصى الحقائق  بعد يومين من هذه الأحداث..

كان المشهد داخل العزبة مؤلما.. فالعزبة تعيش بلا تليفونات بعد أن انقطعت الحرارة عنها.. أما رجالها فقد فر معظمهم.. تاركين النساء والأطفال والعجائز والشيوخ من خلفهم.. كانت العزبة في هذا الوقت تبدو كقطعة مهجورة تسكنها الأشباح.. لا صوت.. لا حركة.. السكون يلف جنباتها من كل الأنحاء.. معظم الأبواب موصدة.. وأخري محطمة.. بقايا طيور ودواجن ملقاة في الشوارع في حالة تعفن حتى البهائم لم تسلم من النفوق حصيلة ما يملكه الفلاحون .. حيث تنبعث منها الروائح الكريهة.. كان الصمت هو سيد الموقف.. رحنا نبحث عن مواطنين نحدثهم.. أو شهود عاشوا الأحداث الجثام التي شهدتها العزبة.. نظرنا نحو الجنوب.. وعلي مرمي البصر كانت مقطورة زراعية تقف وسط الزراعات.. اتجهنا نحوها.. وهناك علمنا أنها إحدي المقطورات التي استغلها المعتدون في تنفيذ عدوانهم علي أهالي العزبة.. انطلقنا صوب مصرف الري.. الذي يبعد عن العزبة نحو 2 كيلو متر.. والذي شهد علي مقربة منه وقائع المصادمات التي حدثت يوم الجمعة.. حيث غمرت مياهه ثلاث سيارات ملاكي.. واحترقت علي جانبه ثلاثة جرارات زراعية.. علي مقربة من هذا المكان لمحنا أحد المزارعين الذي كان منهمكا في ري أرضه.. اتجهنا ناحيته محاولين الاقتراب منه لسماع شهادته.. إلا أنه سرعان ما أطلق ساقيه للريح.. وتاه وسط الزراعات.. فقد كان الخوف هو المحرك لكل مجريات الحياة في هذا المكان..

من عزبة 'سراندو' وعلي بعد نحو ثلاثة كيلو مترات اتجهنا إلي عزبة 'المنشية'.. وهناك التقينا بعدد من الفلاحين الذين تركوا 'سراندو' وجاءوا للبقاء هنا هلعا مما جري في يوم الجمعة الحزين.. حاولنا التعرف علي أسمائهم إلا أن الجميع رفض مجرد البوح باسمه.. خوفا من بطش يتوقعون أنه حادث لا محالة لكل من يجرؤ علي البوح ولو بكلمة.. قال أحدهم والخوف يطل من عينيه وهو يضرب كفا بكف: 'علشان صلاح نوار مطلوب طرد 450 أسرة من أرضهم'.. ومضي يقول: 'الظابط بيقول لي.. تمضي وتروح.. وملكش دعوة بالأرض.. والا تشيل قضية سلاح'.

مزارع آخر راح يروي كيف تمت عملية مداهمة منزل محمود رمضان هاشم من أهالي العزبة.. وتحطيم أثاث منزله.. ثم اقتياده عنوة إلي مركز شرطة دمنهور.. ثم الاعتداء عليه وتهديده.. إما التوقيع علي تنازل عن الأرض.. وإما تلفيق قضية سلاح له: وتحت التهديد وقع علي ما أرادوا.. ثم مضي ليضيف واقعة أخري حدثت يوم الأربعاء الخامس من يناير الماضي.. راح يقول: تم اقتحام منزل المزارع أبو زيد الفقي في الثالثة فجرا.. وتم قطع أسلاك التليفون.. والاعتداء علي منزل منزل.. والقبض علي المواطن المذكور بتهمة شروع في قتل، وحيازة سلاح.. هذه التهم فقط لإجباره علي التنازل عن إيجار الأرض.. وهو ما كشفت عنه تحقيقات النيابة وفندها الدفاع.. وتم إخلاء سبيله في جلسة التجديد يوم السبت الماضي 5 مارس.. بعد شهرين من الحبس الاحتياطي.

مزارع آخر يمسك بأطراف الحديث ويروي وقائع إهانات بليغة تعرض لها الفلاحون.. يقول والحزن يكتنفه: 'قاموا بمداهمة منزل المواطن محمد رجب السيد.. كسروا باب بيته.. بثوا الرعب في كل النائمين في المنزل.. لم يكتفوا بالقبض علي المواطن.. بل أخذوا ابنه إبراهيم الطالب في الثانوية الأزهرية.. والبالغ من العمر 15 سنة.. معه.. بل وحرموه من أداء امتحان نصف العام، حيث اقتادوه بعد تعصيب عينيه وتقييد يديه وقدميه.. وضربه أمام والديه.. وحين صرخت أمه جراء ما يحدث أمامها تلقت ضربة موجعة في مكان حساس من جسدها.. ثم ألقوها علي الأرض وتعرضت لفاصل من الإهانات غير المسبوقة'.
وحتي الآن ¬ يواصل المزارع روايته ¬ لا يزال محمد رجب السيد رهن الحبس الاحتياطي منذ 5 يناير الماضي.. حيث تم تجديد حبسه لمدة 45 يوما أخري.. ثم مضي يقول: 'كذلك تمت مداهمة منزل السيد كمال الحصري.. وكسر باب منزله.. فجر يوم 5 يناير.. وعندما اعترضت زوجته خيرية عبد المنعم مصطفي علي أسلوب المداهمة وعملية الترويع التي مورست ضد الأسرة أثناء نومها.. تلقت ضربة في بطنها رغم أنها حامل في الشهر السادس.. مما استدعي نقلها إلي المستشفي وتحرير محضر بالواقعة بعد إصابتها بنزيف حاد.. حجزت بمقتضاه بالمستشفي.

إحدي السيدات التي استطاعت الهرب من العزبة، واستقرت لدي أقاربها في عزبة 'حبيب' تقول والمرارة تطل من عينيها: 'ففي فجر 5 يناير الماضي.. كنت نائمة وإلي جواري ابنتي.. استيقظت مرعوبة علي صوت طرقات كادت تكسر الباب.. قلت: مين؟.. سمعت صوت: إحنا مباحث يا بنت (......) افتحي.. وعندما فتحت.. فوجئت بمن يصرخ في وجهي: فين جوزك؟.. قلت والرعب يتملكني: بيشتغل في الصحرا باليومية.. شتموني بكلام وحش خالص.. واللي شتمني أنا في سن أمه.. وشتمني قدام بناتي.. لم يكتف بذلك.. سحلوني علي الأرض.. والمخبر عطية راضي قال لي: جوزك مطلوب القبض عليه بتهمة حمل سلاح.. أو يتنازل عن إيجار الأرض'.

غلام لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره.. روي بدوره وقائع أخري في مسلسل المآسي الذي شهدته العزبة.. يقول وأوصاله ترتعش من الاضطراب والخوف: 'فوجئنا في فجر 5 يناير الماضي باقتحام منزلنا بعد تحطيم الباب الخارجي.. رمونا في الشارع ونحن عرايا بدون التفريق بين رجال وسيدات.. غطوا عيوننا وضربونا كلنا.. وأنا عندي أختين لم تسلما من بطش هؤلاء.. حتي أن المخبر عطية راضي اعتدي علي جدتي التي تجاوزت السبعين عاما.. وراحوا يضربونها بقوة.. وإحنا واقفين في الطين.. حتي تبولنا علي أنفسنا من الرعب.. والدي يعمل في الصحراء وليس له دخل بالزراعة أو الأرض موضوع النزاع.. في الآخر ربطونا بالجنازير.. وتركونا في جرن العزبة'.


أما المواطن محمد عبد الرازق.. والكلام للشهود.. فقد تعرض بيته للتفتيش الدقيق.. حيث راح هؤلاء الأشخاص يفتشون في دولابه الخاص عن عقد إيجار الأرض.. وعندما لم يجدوه خيروه بين تلفيق قضية أو تنازل عن العقد.. ولم يجد الفلاح الغلبان سوي التوقيع علي ورقة بيضاء لا يعرف ماذا بها..
 جملة الأحداث التي وقعت.. أشارت كما أسلفنا إلي أحداث وقعت يوم الجمعة قبل الماضي.. واتهم فيها 'صلاح نوار' 9 فلاحين بالمسئولية عما جري.. إلا أن المثير أن رجال الشرطة قاموا بإلقاء القبض علي 26 سيدة.. حيث تم اقتيادهن إلي مكان مجهول.. وتعرضن للإهانات في نقطتي شرطة قريتي 'سنهور' و'شرنوب' البعيدتين عن دمنهور.. حيث لم يستدل علي مكانهما إلا بعد مجهودات كبيرة بذلها أعضاء لجنة الدفاع عن المتهمين.. وبينما قررت النيابة حبس 15 منهن 4 أيام علي ذمة التحقيقات.. فإن مصير إحدي عشرة سيدة أخري مازال مجهولا..

ولأن 'الأسبوع' تتحري الحقيقة.. وتناقش كل الأطراف في معالجتها للأزمات التي تشهدها مصر.. فقد راحت تواجه عددا من عناصر الطرف الآخر في الأزمة حول حقيقة ما جري.. فالتقت بالمهندس أحمد صلاح نوار ومحمد نوار وأيمن عبد الحميد نوار.. والذين برروا ما حدث بهذا الشكل بوجود هدف سياسي للانتقام من مرشحهم في الانتخابات المقبلة.. وقالوا: إن الأرض موضوع النزاع هي ملك كل من: محمد وصلاح والدكتور عبد الحميد نوار الذين يمتلك كل منهم 34 فدانا لكل فرد.. وأن هذه المساحة خضعت للحراسة سنة ..1965 وتم الإفراج عنها في العام 1973 بموجب محضر رسمي صادر عن الإصلاح الزراعي.. بتسليم هذه المساحات للملاك.. محملة بعقود إيجارية نقدية لصغار المستأجرين.. واستمر الحال حتي تحرير العلاقة بين المالك والمستأجر بمقتضي القانون 96 لسنة ..1992 قائلين: إن بعض المستأجرين لم يقوموا بسداد القيمة الإيجارية التي بلغت أكثر من 80 ألف جنيه.. وأن ترك المستأجرين للأرض إنما تم عن طريق أحكام قضائية لصالح العائلة.. وبالرغم من ذلك ¬ يقول هؤلاء ¬ فقد تسامحنا معهم عن طريق التنازل عن المديونية.. وتم تأجير المساحة المتروكة والتي تبلغ 25 فدانا إلي بعض أهالي عزبة 'سراندو' عن طريق المزارعة.. والتي اتسمت بالاستقرار والهدوء لفترة استمرت أكثر من 7 سنوات.. ولكن ومع بداية هذا العام قام المستأجرون القدامي بالهجوم المفاجئ وبدون أي سبب علي أراضي المزارعة والاستيلاء عليها بالقوة.. واتلاف الزراعة، خاصة البرسيم.. وتم تحرير محاضر بشرطة دمنهور.. والقضية منظورة أمام القضاء.

المهندس أحمد صلاح نوار راح يروي وقائع ما حدث من جانبه بالقول: يوم الجمعة الماضي توجهت ووالدي وبعض أفراد الحراسة الخاصة بالأرض إلي عزبة 'سراندو' لحرث الأرض بهدف زراعتها.. إلا أننا فوجئنا بالأهالي يندفعون باتجاهنا.. ويمطروننا بوابل من الحجارة.. مما أدي إلي إصابتنا بكسور وجروح..
في مقابل ذلك يقول محمد عبد العزيز أحد أفراد هيئة الدفاع عن المتهمين: اتهمني صلاح نوار بتحريض الفلاحين ضده.. وأنا عضو في هيئة الدفاع.. كما أنني عضو بلجنة الحريات التابعة لنقابة المحامين بالبحيرة.. ولديٌ توكيل من المتهمين بالدفاع عنهم في القضية رقم 776 لسنة 2005 جنح مركز دمنهور.. معتبرا أن الهدف من وراء هذا الاتهام هو إبعاده عن الدفاع عن المتهمين.. قائلا: إن هذا لن يحدث.. حتي لو أدي إلي أن أفقد حياتي.. فلن أتنازل عن نصرة هؤلاء المظلومين.
أما ماجدة فتحي رشوان المحامية.. والتي جاءت من القاهرة متطوعة للدفاع عن المتهمين.. فتقول: أثارني هذا الكم الهائل من البلاغات والمحاضر المحررة ضد هؤلاء الفلاحين.. الذين يعانون أشد المعاناة من بطش هؤلاء الذين استخدموا كل الوسائل لترويعهم وإرهابهم لدفعهم إلي ترك أراضيهم.. موضحة أن العديد من البلاغات الكيدية تم تحريرها إلي المدافعين عن هؤلاء المظلومين لإبعادهم عن الدفاع عنهم..


أما المتهمون الذين جري التحقيق معهم أمام محمد تعلب وكيل النائب العام.. فقد راحوا من جانبهم يروون ما تعرضوا له.. المتهم حمدي مصطفي الحصري أوضح في أقواله أنه تم القبض عليه في تمام الساعة الثالثة فجرا.. وتم اتهامه بسرقة محصول البرسيم الذي يزرعه في أرضه.. وكذلك اتهامه باستعراض القوة من خلال حمله 'عصا'.. ورغم ذلك لم تحرز تلك 'العصا'.
المتهم إبراهيم محمد عبد المجيد أبو قليلة يقول في محضر التحقيق: إنني لم أر صلاح نوار منذ أكثر من شهرين.. ولم أحرز أي أسلحة لترويعه أو تهديده.

المتهم عبد الحميد أحمد خلاف دخل علي وكيل النيابة شبه عاري.. حيث كان يرتدي جلبابا يكشف من جسده أكثر مما يستر.. فقال: إن أبنائي جاءوا له بهذا الجلباب بعد أن تم اقتياده إلي قسم الشرطة عاريا.. فقد تم القبض عليه بعد تحطيم غرفة نومه.. علي الرغم من أنه مسن ويبلغ 57 عاما.. وقد أصرت هيئة الدفاع علي مناظرته من قبل وكيل النيابة وتسجيل ملاحظاتهم حوله.
أما خميس حسين الفقي.. فقد أقر في التحقيقات أنه تعرض للضرب.. وتم القبض عليه قبل شهرين.. وتم إرغامه علي التوقيع علي أوراق علي بياض.. وقال إنه تم تجريده من ملابسه.. وإنه استعار ملابس من أحد المحجوزين معه لكي يستر جسده..


المتهم محمد محمود الفقي '55' سنة قال: إنه تعرض لضغوط رهيبة من صلاح نوار رغم أنه لا يعمل في مهنة الزراعة.. وقال: إن 'صلاح نوار' حاول إغراءه بمبلغ مالي كبير مقابل تسليم أرض شقيقه المحجوز علي ذمة إحدي القضايا فورا والمتهم فيها بإطلاق أعيرة نارية عليه.. علي أن يتم التسليم أمام الفلاحين حتي يفعلوا مثله.. ولكنه رفض.. فتعرض ¬ والكلام له ¬ لتلفيق هذه الاتهامات له.. بتحريض الفلاحين علي العصيان وعدم تسليم أرضهم.
وحول ما تردد في شأن اتهام بتحريض زوجة شقيقه 'محاسن'.. قال: إن زوجة شقيقي تدعي 'عايدة' وليست 'محاسن'.. مما يؤكد عدم جدية تحريات المباحث.. ومضي يقول: أرغمت علي التوقيع بالإكراه من قبل الضابط محمد عمار.. وقال: أنا أعمل في الصحراء.. في مزرعة دانا للموالح.. وليس لي أرض بالقرية.. وأحضر لرؤية زوجتي وأولادي كل 15 يوما.. وعندما جئت هذه المرة تم القبض عليٌ واقتيادي عاريا إلي قسم الشرطة..


 كثيرة هي وقائع هذه القضية.. ومؤلمة بكل تفاصيلها الجارحة.. فإذا كانت أوراق القضية بتداعياتها وتفاصيلها معروضة أمام جهات التحقيق والقضاء.. فإن العدالة في مصر تقتضي أن يعامل الناس وفقا لأحكام القانون دون سواه.. لا أن يوظف القانون لصالح فئة ضد أخري.. وبعيدا عن التدخل في مجريات التحقيق التي ننتظر بفارغ الصبر أن تنتهي بذات الحيادية التي نعهدها في أجهزتها القضائية فإننا نطالب السيد حبيب العادلي وزير الداخلية.. والقيادات الأمنية بسرعة التحقيق في تجاوزات حدثت.. وانتهاكات ارتïكبت.. فبعض المحسوبين علي الشرطة إنما يسيئون بتصرفاتهم إلي هذا الجهاز الوطني الذي يسهر علي حراسة الوطن.. ونأمل أن تجري تحريات سريعة وعاجلة.. وتحقيقات بالغة العجالة.. حتي نرفع الظلم عن أناس يعانون أشد المعاناة.. يعيش بعضهم خلف الأسوار.. وبعضهم لا يعرف أحد له مكانا.. وآخرون تركوا بيوتهم.. وبلدتهم رعبا وهلعا.. من واقع يحيطهم بمأساويته من كل اتجاه.