الجناة في مأمن من عقاب القانون

Submitted by تعذيب on Mon, 2006/02/06 - 14:37.

التعذيب وفقا لنص المادة الأولى من الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب يقصد به "أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسدياً كان أم عقلياً، يلحق عمداً بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص، أو من شخص ثالث، على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه، هو أو شخص ثالث، أو تخويفه أو إرغامه هو أو شخص ثالث، أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو التعذيب لأي سبب من الأسباب كالتمييز أيا كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي، أو أي شخص أخر يتصرف بصفته الرسمية".

وينزل الدستور المصري الصادر عام 1971 الإنسان وسلامة جسده  منزلته الصحيحة فيقول في  المادة 42 منه "كل مواطن يقبض عليه أو يحبس أو تقيد حريته بأي قيد تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامة الإنسان ، ولا يجوز إيذاؤه بدنياً أو معنويا ، كما لا يجوز حجزه أو حبسه في غير الأماكن الخاضعة للقوانين الصادرة بتنظيم السجون .وكل قول يثبت انه صدر من مواطن تحت وطأة شئ مما تقدم أو التهديد بشيء منه يهدر ولا يعول عليه".

والاعتداء علي أيا من الحريات العامة والحقوق العامة  التي نص عليها الدستور
-ومنها الحق في سلامة الجسد-  جريمة لا تسقط بالتقادم فتنص المادة 57 من الدستور علي أن  "كل اعتداء علي الحرية الشخصية أو حرمة الحياة الخاصة للمواطنين وغيرها من الحقوق والحريات العامة التي يكفلها الدستور والقانون جريمة لا تسقط  الدعوى الجنائية ولا المدنية الناشئة عنها بالتقادم، وتكفل الدولة تعويضاً عادلاً لمن وقع عليه الاعتداء".

ويعرف قانون العقوبات المصري نوعين من الجرائم المرتبطة مباشرة بانتهاك الحق في سلامة الجسد،  فالمادة 126 من قانون العقوبات تعاقب "بالأشغال الشاقة أو السجن من ثلاث سنوات إلى عشر سنوات، كل موظف أو مستخدم عمومي أمر بتعذيب متهم أو فعل ذلك بنفسه لحمله علي الاعتراف وإذا مات المجني عليه يحكم بالعقوبة المقررة للقتل العمد".
وتقول محكمة النقض تفسيرا لنص المادة  126 من قانون العقوبات  "لم يعرف القانون معني التعذيبات البدنية ولم يشترط لها درجة معينة من الجسامة والأمر فى ذلك متروك لتقدير محكمة الموضوع تستخلصه من ظروف الدعوى"[1]، وتتوسع في تعريف التعذيب فتقول "أن القانون لم يشترط لتوافر أركان جريمة تعذيب متهم بقصد حمله على الاعتراف المنصوص عليه في المادة 126 من قانون العقوبات أن يكون التعذيب قد أدى إلي إصابة المجني عليه فمجرد إيثاق يده خلف ظهره وتعليقه في صيوان ورأسه مدلى لأسفل – وهو ما أثبته الحكم في حق الطاعن من أقوال زوجة المجني عليه – يعد تعذيبا ولو لم يتخلف عنه إصابات"[2].

وهناك المادة 127 من قانون العقوبات والتي تنص علي انه "يعاقب بالسجن كل موظف عام وكل شخص مكلف بخدمة عامة أمر بعقاب المحكوم عليه أو عاقبه بنفسه بأشد من العقوبة المحكوم بها عليه قانوناً أو بعقوبة لم يحكم بها عليه"، وهي الجريمة التي تعرف باسم استعمال القسوة، والتي لم تشترط محكمة النقض المصرية أن يتخلف عن فعل الضرب فيها جروح أو أثار مادية تدل عليه، أو تستوجب مداواتها بعلاج معين حتى يمكن معاقبة الجاني[3]"، ولكنها  ذهبت إلى أن هذه الجريمة تتحقق  بتوجيه ضربة واحدة إلي جسد الضحية[4]"،دون أن "يعتد بمكان الضربات الموجهة من الجاني لجسم المجني عليه ، فقد يتلقاها في رأسه أو صدره أو جزء آخر من سائر أجزاء جسده" [5].

وفضلا عن ذلك فقد شدد القانون من العقاب علي جريمة هتك عرض الإنسان رجل كان أو امرأة فقد نصت المادة 268 من قانون العقوبات على أن "كل من هتك عرض إنسان بالقوة أو بالتهديد أو شرع في ذلك يعاقب بالأشغال الشاقة من ثلاث سنين إلي سبع"، وفي تطبيق هذا النص تقول محكمة النقض المصرية  "الركن المادي في جريمة هتك العرض يتحقق بأي فعل مخل بالحياء العرضي للمجني عليها ويستطيل إلي جسمها ويخدش عاطفة الحياء عندها من هذه الناحية ولا يشترط لتوافره قانونا أن يترك اثر بجسمها كما أن القصد الجنائي يتحقق في هذه الجريمة بانصراف إرادة الجاني إلي الفعل ونتيجته ولا عبرة بما يكون قد دفع الجاني إلي فعلته أو بالغرض الذي توخاه منه ويكفي لتوافر ركن القوة في جريمة هتك العرض أن يكون الفعل قد ارتكب ضد إرادة المجني عليها وبغير رضائها ولا يلزم أن يتحدث عنه الحكم متي كان ما أورده من وقائع وظروف ما يكفي للدلالة على قيامه"[6]، وعندما تقع جريمة هتك العرض لصبي أو صبية دون سن الثامنة عشر فإن العقوبة ترتفع لتكون الأشغال الشاقة المؤقتة وفقا لنص المادة 169 من قانون العقوبات.

ويمكن أن نستخلص من استعراض ما سبق أن النصوص القانونية كافية بشكل كامل لعقاب مرتكبي جرائم التعذيب سواء أكان ذلك التعذيب بالضرب بالعصي أو بالصعق أو مجرد توجيه ضربة واحدة للضحية أو بهتك عرضة أو الشروع فيه، كما أن قضاء محكمة النقض المصرية ينحو للتشدد في تفسير النصوص القانونية لصالح الضحايا، فلماذا تزيد ظاهرة التعذيب في مصر ويتسع نطاقها؟.                                                 يري مركز حقوق الإنسان لمساعدة السجناء أن هناك عوامل عديدة تؤدي إلى استفحال تلك الظاهرة:-

أولا :  أن النيابة العامة لا تقوم بدورها في حماية الضحايا ولا تعمل بالشكل اللائق لإحالة قضايا التعذيب إلى المحكمة المختصة بما يوفر شعورا بالطمأنينة لدي مرتكبي تلك الجريمة.فوفقا لنص المادة 63 من قانون الإجراءات الجنائية فانه لا يجوز لغير النائب العام أو المحامى العام أو رئيس النيابة العامة رفع الدعوى الجنائية ضد موظف أو مستخدم عام أو أحد رجال الضبط لجناية أو جنحة وقعت منه أثناء تأدية وظيفته أو بسببها، وعلي ذلك لا يجوز لضحايا التعذيب رفع الدعوى مباشرة إلى محكمة الجنايات أو محكمة الجنح ضد مرتكبي جرائم التعذيب من ضباط وجنود الشرطة –باعتبارهم موظفين عموميين– ولكن عليهم أن يتقدموا ببلاغاتهم إلى النيابة العامة، والتي لها وحدها سلطة تحريك الدعوى العمومية ضد هؤلاء الضباط وهو ما لا يتم في معظم الأحوال ، بما يشكل حماية من نوع "ما" لهؤلاء القتلة.                                                                                                        

وفي التقرير الدوري الرابع الذي قدم من حكومة جمهورية مصر العربية إلى لجنة مناهضة التعذيب بالأمم المتحدة في 19 فبراير 2001 تبين أن النيابة العامة قد أحالت إلى المحاكمة الجنائية خلال أعوام 1997-2000 ، 78 ضابطا فقط "ثمانية وسبعون ضابطا فقط"، ولم يشر التقرير إلى عدد بلاغات التعذيب التي يتلقاها مكتب النائب العام والنيابات المختصة في جميع أنحاء الجمهورية . ولبيان مدي ضآلة هذه النسبة فإن مركز حقوق الإنسان لمساعدة السجناء قد قدم خلال الفترة من 1997 وحتى  عام 2001 أكثر من آلفي بلاغ عن تعذيب في أقسام ومراكز الشرطة والسجون، بخلاف ما قدمته جماعات حقوق الإنسان الأخرى وعلي رأسها المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، كما يلفت المركز النظر إلى أن مكتب  النائب العام ومنذ عام 1994 يعد بإعلان نتائج التحقيق في وفاة أحد المحامين تحت التعذيب هو الأستاذ/ عبد الحارث مدني ولم يقم بذلك حتى الآن رغم ما آثاره موت المحامي المذكور وقتها من ضجة محلية ودولية.                                                              

علي أن ذلك لا يمنع من أن البعض من وكلاء النائب العام يبادرون في حدود ما هو متاح لهم من سلطات إلى محاولة اتخاذ الإجراءات الكفيلة بسرعة عرض الضحايا علي الطب الشرعي لإثبات إصاباتهم قبل أن تتغير معالمها بفعل الزمن، ولكن يظل هناك حاجة إلى خطة عامة وتعليمات محددة يصدرها النائب العام إلى وكلائه للتعامل بالجدية الأزمة مع حالات التعذيب التي تحدث داخل أقسام الشرطة. أن مسئولية النيابة العامة في ملاحقة زبانية التعذيب وتقديمهم إلى العدالة هي مسئولية أساسية في حصار ظاهرة التعذيب، وبغير ذلك فإن سيف القانون لن يصل ابد إلى الجناة الحقيقيين اللذين يشعرون بان التراخي في محاسبتهم هو نوع من أنواع غض الطرف عن جرائمهم.                                                                                                   

ثانيا : أن المتهمين في قضايا التعذيب يتمتعون بنفوذ قوي ويظلون في أماكن عملهم طوال فترة التحقيق معهم، وهو ما يساعدهم في اصطناع أدلة البراءة، سواء بإحضار بعض المجرمين المحتجزين لديهم لإدلاء بشهادات كاذبة أو حتى بتحمل المسئولية عن الضباط، أو باختلاق أوامر أجازات وهمية حيث يستحصلون من جهة عملهم علي ما يفيد انهم كانوا في راحة وقت حدوث التعذيب. كما أنه حتى في حالة حبس الضباط احتياطيا فانهم يتمتعون بمعاملة ممتازة، ويقوم زملائهم بمحاولة اصطناع أدلة لتبرئتهم.                                         

 

 ثالثا : أن قانون الإجراءات الجنائية لازال يعامل الإثبات في جريمة التعذيب مثل معاملته للجرائم الأخرى، فهو لا يعاقب المجرم إلا إذ ثبت انه هو الذي قام شخصيا بالتعذيب أو حرض علية بشكل مباشر، كما يتشدد في مدي مطابقة أقوال المجني علية مع الدليل الفني، ويهدر أقوال المجني علية عند اصغر تناقض بينها وبين ما أسفر عنه تقرير الطب الشرعي، ولا يأخذ بحالة المتهم وقت إدلائه بشهادته ولا بالضغوط التي يتعرض لها. ويكتفي القضاء هنا بمعاقبة الضابط علي جريمة احتجاز شخص بدون وجه حق وهي جريمة عقوبتها الغرامة أو الحبس، مع العلم بان مجرد احتجاز مواطن دون وجه حق في قسم الشرطة يجعل من ذلك قرينة علي أن تعذيبه قد تم بأيدي محتجزيه حتى يثبتوا هم عكس ذلك، وفي إحدى الوقائع التي أوردها التقرير تم عقاب ثلاثة من الضباط بالغرامة مائة جنية رغم أن المتهم قد توفي واثبت الطبيب الشرعي أن هذه الوفاة لا يمكن أن تحدث علي النحو الذي حاول المتهمون تصويره!!                                                                                             

 

رابعا : أن وزارة الداخلية لا تقوم بجهد كاف من اجل حصار الظاهرة ولا تتخذ إجراءات إدارية رادعة ضد الضباط اللذين يتهمون بالتعذيب بل في بعض الأحيان تقوم بترقيتهم إلى وظائف أعلي، مما يشعر الضباط بان هناك حالة من عدم الممانعة رسميا في لجوئهم للتعذيب ، مادام التعذيب لا يصل إلى حد قتل الضحية، وفي بعض الأحيان تكتفي الوزارة بإعطاء أهل الضحية مبلغ من المال ونقل الضابط