خايفة نكون عفصنا الاطفال

 

نقلونا طره. كانت ملابسنا مبلولة. فضلت علينا لثاني يوم وثاني يوم تركونا في الشمس. بالصدفة كانت شديدة في اليوم الأول بعد الاعتصام وكان أغلبنا متعورين. وكان فيه ناس متكسرين. بنشيلها شيل. فضلوا يخرجوا ويدخلوا فينا في العنبر. ينادوا علينا واحد واحد أكثر من أربع مرات وإحنا مش قادرين نمشى. الظاهر كانوا قاصدين. فيه طفل مات في المعسكر.. أمه كانت بتصرخ بهستريا ومش قادرة تسيبه. العساكر كانوا يشدوا فيها عشان ياخدوا الولد وإحنا نشد وحصل زى هستريا جماعية. وحاولوا يفكونا عشان الأم تسيب الطفل. كلنا كنا بنبكى عليه. في نفس يوم وصولنا طره نقلونا إلى المطار. كنا حوالي 45. الظاهر كانوا هيرحلونا. بينا وبين بعض قولنا أحنا هنقاوم وهنضرب أنشالله نموت لأن الترحيل إلى السودان خطر كبير علينا. جاءت مكالمة على اللاسلكي رجعونا تانى طره. الساعة كانت 12 بالليل وقرروا يركبونا أتوبيسات وينزلونا كل أربعه فى حته بعيدة. كان فيه واحدة معوقة اسمها "نجلاء" وكان فيه ستات تركوا أزواجهم في المعسكر. وكان فيه ستات أطفالهم ضاعت. نزلنا فى الشوارع. كان شكلنا وحش وإحنا حافيين وملابسنا مهلهلة. وفيه ناس قالوا لينا أحسن أنهم ضربوكم.. خايفة نكون عفصنا الأطفال، أشعر بذنب كبير جدا.. حاولنا نخرجهم.. الأمهات كانوا خايفين يسيبوا أطفالهم وبعد دقائق كانت المياه مغطية الكل وأبتدأنا نحاول نغطى الأطفال بالبطاطين. (لاجئة).
ذهبنا إلى سجن القناطر.. قعدت خمس أيام.. كان فيه أكثر من 150 ست. لبسنا لبس السجن وحطونا في عنبر مفتوح من فوق وكانت الدنيا برد. نمنا على الأرض وببطانية واحدة. في اليوم الثاني ودونا عنبر التحقيق. كان فيه شوية سراير ثلاث أدوار. بس أغلبنا كان نايم على الأرض. المرحاض كان بداخل العنبر  والمياه خارجه منه على الأرض. وكان فيه رطوبة شديدة. كان فيه إصابة فى رجلى. رحت مستشفى السجن بس العلاج مش كافى ودلوقتى عندي خراج. النزيلات السودانيات اللي كانوا في السجن قبلنا قالوا أنهم كانوا عارفين قبل فض الاعتصام بيوم أن أحنا جايين. كان فيه حوالي خمس أطفال واحد فيهم سنة سبعة أو ثماني شهور. الأمهات كانوا بيرضعوا. كان فيه طفل سنه خمس سنوات ملهوش أهل وبنت 11 سنة أهلها مش معها. أكتر حاجة كانت يتموتني هي الأطفال. كل ما أقعد لوحدى وأفتكر الاعتصام وأفتكر المنظر ما يغيب عن عينى.. مرعوبة إن ممكن الواحد وهو بيرجع وراء عشان يخلص نفسه يكون عفص زول أو موت زول (تقصد فعص أو موت طفل) (لاجئة)

 


وأخيرا، فقد بلغ عدد اللاجئين وطالبي اللجوء من السودانيين المترددين على مركز النديم منذ 2/1/2006حتى 30/1/2006 40 شخصا، يعانون من طيف من الاضطرابات النفسية يتراوح ما بين القلق الحاد وحالات الاكتئاب الجسيم.. كما أصيب الكثيرون باضطراب كرب ما بعد الصدمة، حيث لا يتمكن المصاب من نسيان تفاصيل الموقف والأحداث المفزعة التي مر بها، و هي تهاجمه كما لو كانت تتكرر مرة أخرى، فلا يستطيع أن يدرك أنها مجرد ذكريات، بل يصيبه خوف و رعب شديدين، ويبدأ في التصرف على اعتبار أنها حقيقة تحدث الآن ولم تنته بعد.. وهو ما يطلق عليه طبيا مصطلح (نوبات ارتجاعية).. ومن أكثر الأحداث التي تتراءى للمصابين خلال النوبات الارتجاعية مشهد الأطفال الذين حاولوا حمايتهم، فإذا بهم يضربون معهم، ويسقطون من بين أيديهم، تدهسهم أحذية البوليس الضخمة، يموتون أمامهم وهم ينادون على أمهاتهم.

 


وقد لاحظ أطباء المركز أن أحداث فض الاعتصام قد أيقظت لدى بعض اللاجئين ذكريات مؤلمة عما مروا به في السابق، و أثارت لديهم أحزان وآلام كانت قد استكانت بفعل المساندة النفسية التي تلقوها وشعورهم ببعض الأمان، إلا أنهم باتوا يعانون شعورا متزايدا بالخوف والاضطهاد ونوبات الهلع المتكررة، حيث أصابهم في الدولة التي لجئوا إليها ما هو أسوأ مما هربوا منه.