من مشاهد الاعتقال السياسى

 

بعد خروجه من اعتقال استمر نحو 15 عاما، يكتب الاستاذ عبد المنعم منيب عن مشاهداته داخل المعتقلات العديدة التى احتجز بها طوال هذه الفترة

اقرأ المزيد فى مدونته (http://moneep.katib.org)

الممنوع عن المعتقلين

 

أذكر أن أحد الأخوة المعتقلين كان قادما من سجن الوادى الجديد ولما أقام عدة شهور في مستشفى ليمان طرة بدأ يعمل أعمالا تجارية بسيطة كانت متاحة حينئذ في هذا السجن فقط و كان أبرزها نسج الخرز في صور أقلام أو إكسسوارات حريمى أو محافظ أو شنط كلها حريمى بجانب بيع بعض الأشياء الأخرى البسيطة بناء على ذلك أستطاع أن يوفر دخلا صغيرا جدا لكنه مناسب لأسرته الصغيرة التى يعولها وحده والمكونة من زوجته و أمه لكن سرعان ما دارت الأيام على غير آماله و هواه فتم ترحيله فجأة إلى سجن الوادى الجديد(الواحات), ونظرا لشدة المفاجأة من ناحية ومن ناحية أخرى نظرا للمشكلات التى يعلم يقينا أنها ستضغط على أسرته إذا غاب عنهم الدخل البسيط الذى لم يكن يستطيع توفيره لهم إلا بالقعود في مستشفى ليمان طرة, ونظرا لهذا كله فإن المعتقل المذكور أصيب بعد عدة أيام بصدمة عصبية فظل مجنونا لعدة أيام ثم توفى


و قد ذكر لى الأخ (......) قصة أخرى وهى قصته شخصيا حيث أنه كان معروفا لى من قبل, وتربطنى به صداقة خفيفة سابقا, وقد إشتهر منذ 1994م أو بعدها بقليل أنه صار متعاونا مع الأجهزة الأمنية تعاونا مؤذيا جدا لكل زملائه بل لكل المعتقلين السياسيين من جميع الأطياف الفكرية, فلما قابلته مؤخرا أخذ في سرد قصته بالتفصيل دون أن أسأله وبدا لى و كأنه يذكر هذه القصة ليعتذر بها عن موقفه فقال لى أنا أعرف أخوة كثيرين كانوا معى في تنظيم الجهاد وهم بالخارج الآن ولم يدخلوا السجن وصاروا من أصحاب الملايين و كانوا أصدقاءا لى, ومع ذلك طرد صاحب البيت أمى و زوجها المشلول و أشقائى من أمى وهم صغار طردهم إلى الشارع ليهدم البيت القديم المتهالك ويبنى مكانه برجا ليبيع شققه تمليك و كانت أسرتى تنام على الرصيف في العراء, وفي نفس الوقت هؤلاء الزملاء يتعاملون في الأموال بالملايين ولم يقدموا لأسرتي قرشا لذلك لو قابلت أحدهم وقال لى أنت أول من عملت توبة أو تعملت بالإرشاد مع الأمن فإنى سأضع أصابعي في عينه


و إذا كان هذا جانبا من الجوانب الإجتماعية للإتصال بين المعتقل و أسرته فهناك جوانب أخرى سواء ما يتعلق منها بالأسرة أو بوسائل أخرى للإتصال غير الزيارة وذلك ما سنعرض له فيما بعد إن شاء الله


أما ما يتصل بالأسرة لم تلقى بمشاكلها كلها في حجر المعتقل كما قد يبدوا من السطور السابقة بل إن السطور السابقة توضح جانبا من الموضوع وهو أثر طبيعة الزيارة على مشاكل المعتقل وعلى معرفته بها فطول إنقطاعها يراكم المشاكل لكنه يغيبه عنها بما لذلك من إيجابيات وسلبيات, و إنفتاح الزيارة يؤدى لما سبق وذكرناه, ولكن أغلب عائلات المعتقلين تحملوا وبجلد كثير من المشاكل و ناءت أكتافهم بالكثير من الأعباء, ولا يمكن هنا أن نحصر هذا السلوك في أحد أطراف الأسرة لأن الطرف الذى تحمل العبء في الأسرة اختلف من معتقل لأخر فأنا سمعت أحد الأخوة يحكى عن دخول أحد أشقائه غرفة العناية المركزة بأحد المستشفيات الكبرى لخطورة حلته الصحية ثم قال إثر ذلك لو مات شقيقى هذا فهنا فقط ستبدأ حبستى (أى إعتقالى).
 وسمعت ثانيا وقد ماتت شقيقته يقول: لو لم تمت لما شعرت أنى محبوس


و هذا ثالث كانت زوجته تعمل بالحقول كعاملة بأجرة يوما بيوم لتنفق على نفسها وعلى زوجها وعلى إبنها.
وهذا رابع يقول: إنه لم يشعر فى المعتقل إلا بعد موت أبيه.
وكل هؤلاء لهم زوجات و أشقاء و أبناء لكن إختلف الفعال من أسرة لأسرة.
وفي حالات أخرى رأيت المعتقل له عدة أشقاء كلهم يشاركون في القيام بأعباء أخيهم المالية والإجتماعية.
كما رأيت معتقلا أخر وهو رجل وحيد ومعه شقيقات عديدات وكلهن يشاركن زوجته في تحمل الأعباء ويدفعن أبناءهن للمشاركة في تحمل عبء إعتقال خالهم.
وهكذا اختلفت وتعددت الأطراف ذات المسئولية من أسرة لأخرى.
وقد لاحظت أن هؤلاء الأطراف كانوا مخلصين و أوفياء وذوى إيثار في تحمل الأعباء حتى إننى رأيت كثيرا من المعتقلين يعيشون عيشة مريحة كأنهم من ذوى اليسار وعلمت بعد ذلك أن أسرهم فقيرة لكنها أسر ذات إيثار تخرج القمة من فيها لتقدمها لإبنها المعتقل ليس عن طيب خاطر فقط بل بفرح و سعادة أيضا.
و أذكر أن أحد الأخوة المعتقلين يلبس ملابس فاخرة نسبيا و كان بعض الأخوة من قريته يقولون لى أمامه إن أمه تدلله لأنه وحيدها, وظننت حينئذ أن أمه من ذوى اليسار ثم علمت بالمصادفة بعد ذلك أنها تبيع بعض السلع البسيطة بالسوق كى تستطيع أن تنفق على إبنها الشاب المتعلم المعتقل


ولم تكن معاناة أهلى المعتقلين منحصرة في الأعباء المالية بل كانت الأعباء البدنية لا تقل عن ذلك بل تزيد حيث قطع المسافة من البيت إلى سجون لم يكن بينها وبين البيت أقل من مائة كيلوا في أحسن الأحوال و كثيرا ما كانت تزيد عن ذلك وتصل لأكثر من خمسمائة.....الخ


و أذكر عام 1999م أثناء محاكمتى عسكريا أن الجلسات كانت يومية ونظرا لأن الزيارة كانت ممنوعة في السجن بما في ذلك دخول أى طعام من أهالينا فقد كانت أسرنا تأتى كل يوم للمحكمة وتعطينا وجبة طعام تكفى ليوم واحد و كان مقر المحكمة بالهايكستب, ولم تكن المحكمة تسمح لهم بمغادرة القاعة إلا بعد مغادرتنا وكنا نحضر في السابعة صباحا ونغادر في العاشرة مساءا ورأيت أكثر الأسر ينامون وهم جالسون في قاعة المحكمة من الإرهاق وقلة النوم فهم يغادرون بعد العاشرة مساء للبيت ثم يجهزون الطعام لليوم التالى ثم ينانون ثلاث ساعات ثم يعودون مع الفجر للسفر إلى مقر المحكمة و هكذا لمدة أسبوع متواصل


و كما أن لكل قاعدة إستثناءات فقد كان هناك أسر من ذوى اليسار تهمل أبناءها أو حتى تتجاهلهم تماما و لا تزورهم ولا تحضر لهم شيئا ولكن هذه كانت حالات محدودة وقليل.      
كيف يتصل المعتقل بخارج السجن وكيف يطلع على العالم ما خارج السجن؟!
ذكرنا من قبل أن الزيارة أحد أهم وأبرز وسائل اتصال المعتقل بخارج السجن لكن هناك وسائل أخرى للاتصال أقل شأنا ولكنها مهمة بقدر كبير وأحيانا تصبح أهم من الزيارة لسبب أو لأخر.


وعلى سبيل المثال عندما جرى نقلى من سجن الفيوم 9/2002 الى سجن ابى زعبل الجديد كان أحد المخبرين له علاقة حسنة بالعديد من المعتقلين فكلمته ان يتصل بأبى رحمة الله ليعرف أسرتى اننى جرى نقلى إلى السجن أبى زعبل لئلا يأتوا لزيارتى بسجن الفيوم ولا يجونى وفعلا قام المخبر بالاتصال وأنا موجود على بوابة السجن تمهيدا لنقلي وتأكدت بعد ذلك من أسرتى ولم يتقاض هذا المخبر أى مبلغ مالى على هذه الخدمة الخطرة التى لو إنكشف أمرها لتم تنزيل رتبة المخبر إلى الادنى


وأحيانا كنا نتصل بأسرنا بإلقاء ورقة مكتوبة فيها الرسالة التى نريد توصيلها وبجانبها رقم التليفون ونقوم بإلقاء هذه الورقة من شباك سيارة الترحيلات أمام احد المارة وكان عادة ما يتصل وقد فعلتها أنا كثيرا وأعتاد كل المعتقلين على ممارسة هذا السلوك عند الحاجة فكلما تم نقل احد المعتقلين أو حتى مجموعة معتقلين ألقوا بمثل هذه الرسائل ما لم تتسن طريقة أخرى للاتصال بعائلتهم وبعدما لاحظ المعتقلون إرتفاع اسعار الاتصالات من خلال المعلومات التى تصلهم من عائلاتهم فإن كثيرا من المعتقلين أعتادوا منذئذ على وضع مبلغ مالى صغير عبارة عن جنيه أو جنيهين داخل الرسالة الملقاه من شباك سيارة الترحيلات كى تكون تمنا للاتصال ويوجد أسلوب أخر للاتصال حيث يرسل المعتقل رسالة إما شفهيه او مكتوبه مع أسرة معتقل أخر يتلقونها أثناء الزيارة ثم يوصلونها إما بالتليفون وهذا هو الاكثر وإما بالمقابلة الشخصية المباشرة وذلك في حالة ما إذا كانت العائلتان على صلة ببعضهمaلقيت ورقة من سيارة الترحيلات وأغتاظ جدا وظل يكرر على مسمعى بأن هناك معتقلين أغبياء مازالوا يفكرون بالاسلوب القديم ويلقون أوراقا من سيارة الترحيلات وعليهم ان يمتنعوا عن ذلك 0000 إلخ


وعندما رجعت إلى السجن في هذه المرة دخلت من بوابة السجن وكان يمكن للقاعد في الزيارة أن يرى بسهولة الداخل من هذه البوابة دون أن يسمعه لآن المسافة كانت بعيه وحاولت جاهدا دون جدوى أن أقنع ضابط السجن بأن يسمح لى بإبلاغ أحد الاخوة بالزيارة بأنى رجعت للسجن لكنه رفض وكان هذا المعتقل الذى أريد إبلاغه هو الشيخ / سيد الحجار وكانت علاقة زوجته بزوجتى علاقة وطيده ولدى كل منهما تليفون الاخرى وظل الضابط مصرا على منعى من التوجه إلى الشيخ سيد في الزيارة إلى أن خرجت جميع الاسر الزائرة من بوابه السجن إلى الشارع وعندما دخلت للعنبر وقابلت الشيخ / سيد فى الزنزانه سلم على وقال لى خلاص خبر رجوعك للبيت وصل لأهلك قلت له رأيتنى فأبلغتهم قال نعم لقد رأيتك من اول ما فتحوا بوابة السجن لتدخل وأبلغتهم وسيتصلون بأهلك الان


وكانت الاتصالات عبر أسر بعضنا البعض تزيد فرصنا في الاتصال بأهلنا فبدل أن أعرف أخبارهم ويعرفوا أخبارى في موعد زيارتى فقط تتواصل العلاقة والاخبار في مواعيد زيارات الاخرين .
ولم يكن ذلك صعبا لأن عائلات المعتقلين عادة ما تتوثق علاقاتهم ببعضهم البعض نتيجة أشتراكهم في معاناه واحده معاناه أعتقال أقاربهم ومعاناة القيام بزيارتهم أيضا وقد أوضحنا أنواع هذه المعاناة في المقال السابق بالتفصيل


وقد أدى توثق العلاقات بين اهالى المعتقلين إلى نشوء شبكة قوية نسبيا من الاتصالات سواء شفهيا أو بكتابة الرسائل فأنا مثلا علمت بوفاة والدى رحمة الله عبر رسالة شفهية وصلتنى من زوجتى بعد موته بيومين بينما لم يكن مقررا لى زيارة إلا بعد موته بأسبوع .
وبينما كانت علاقات عائلات المعتقلين تيسر عملية الاتصالات فإن هناك علاقات نشأت أصلا بغرض تيسير الاتصال ثم تواصلت هذه العلاقات بعد ذلك وتطورت إلى علاقات وثيقه وطيبه جدا 


ومثال ذلك أننى عندما جرى نقلي إلى سجن استقبال طره عام 2004 لم يكن أهلى على صلة بأهل أحد من معتقلى الاستقبال بطره لأننى قضيت سنوات طويلة في سجون أخرى وكنت حديث عهد بسجن الاستقبال وأثناء جلوسى مع الاخ محمد نديم وهو من أصدقائى القلائل بالسجن شكوت له من هذه المشكلة فقال لى لماذا ؟! عندك ياسرعبد السلام موجود بزنزانه رقم كذا وزوجته جارة لزوجتك ومنه ستعرف من هم جيران زوجتك الأخرين من أهالى المعتقلين وبالفعل تعرفت على ياسر وعن طريقه عرفت كلا من عيد ثم مصطفى وكانت زوجة كل منهما تسكن بالقرب من زوجتى وعن طريق هؤلاء ظللت أرسل الرسائل المكتوبه لزوجتى وأتلقى منها الرد وكذا ترسل لى معهم أحيانا الكتب التى كنت أحتاجها بسرعة قبل موعد زيارتى وبعض الاشياء الخفيفة كالقهوة أو الشاى أو الدواء ونحو ذلك

كما أننا تمكنا عن طريق هؤلاء المعارف من توفير قدر من المال الذى ندفعه كأجر للسيارة التى تنقل أسرتى من البيت للسجن ذهابا وعودة حيث كانت الأسر الأربع يشتركن في سيارة واحدة أحيانا ومن ثم يشتركن في دفع الأجرة ولكن هذا لم يكن دائما معى.
 لكن كانت في حالات أخرى مع أسر معتقلين أخرين مسألة وسيلة الانتقال للسجن و العودة منه أمر حتمى وثابت أن يكون بالاشتراك فى أجرة السيارة للتوفير ولأنه أكثر راحة من ركوب المواصلات العادية العامة


في حالات أخرى كانت الزيارة ممنوعه والاتصال بالأهل أو المحامى ممنوع واستمر ذلك لسنوات طويلة فما كان لحل؟
!
لقد كان الحل باستقطاب بعض أمناء الشرطة أو حراس السجن أو الجنود أو الموظفين أو الممرضين بمستشفى السجن وكان هذا الاستقطاب يبدأ فكريا بمحاولة استمالة الهدف وكسب تعاطفه مع ظروفنا ثم يتطور لإقناعه بأنه لو ساعدنا في توصيل رسائل شفهيه بالتليفون أو كتابية باليد لعائلاتنا فإنه سيكون له أجر وثواب كبير عند الله وأننا سندفع له تكاليف مثل هذا الاتصال وزيادة، والآن وبعد إتمام الألاف من مثل هذه الاتصالات عبر مئات من الحراس أو الجنود أو غيرهم لا يجدى كثيرا تحديد ما إذا كان هذا تم بناء على قناعة فكرية بوجوب القيام بمثل هذا العمل الانسانى أم بناء على رغبة في تحقيق مكسب مادى أو بمزيج من الاثنين لكن على كل حال يمكننى الآن الجزم بأن كل هذه الدوافع كانت حاضرة وأختلفت درجات كل منها من شخص لأخر ورغم أننى لم أنغمس بشكل واسع في مثل هذه العمليات وإنما نفذت بعضا منها لحسابى الخاص فقط لأننى على معرفة شبة كاملة بعمليات واسعة تم تنفيذها لحساب مئات المعتقلين خاصة ما جرى في سجن الوادى الجديد في الفترة من 1998 وحتى نهاية 1999 وكان ثمن الرسالة المكتوبه وقتها سبعين جنيها مقابل ذهاب الرسالة باليد للبيت والعودة برد مكتوب عليها بخط معروف للمعتقل ومسموح بأن يصحب الرد مبالغ مالية وذلك وفقا للآتفاق الذى صار مشهورا وثابتا وكان كل شخص من الاشخاص الذين يخرجون بالرسائل يخرج في كل نوباتجيه بأكثر من مائة رسالة مكتوبه ثم يعود فى النوباتجية الاخرى بالرد وما معه من مال

.
وفى أحدى المرات عاد ممرض بالردود وكانت أكثر من مائة ودخل المستشفى فنام فلم يستيقظ إلا بعد غلق العنابر فتركها في ملابسه وفى اليوم التالى عندما أنهى النوباتجية نسى وخرج بها مرة أخرى من السجن دون أن يحتاط من التفتيش الروتينى الذى يتعرض له كل داخل أو خارج من السجن ما دام من رتبه دون الضابط وبالفعل تم ضبط الرسائل وجرى التحقيق معه بالطريقة التى يعرفها الجميع فجر الخيط وظلت التحقيقات تجر الخيط من حلقة لأخرى حتى أنكشفت شبكة ضخمة نسبيا تضم معتقلين من جهه وتضم من جهه أخرى ممرضين وموظفين وحراس وجنود وأمناء شرطة كانوا جميعا متعاونين في توصيل الرسائل وتلقى ردودها بين جميع معتقلى السجن وعائلاتهم وقد تم عمل تحقيق رسمى وقضية لعدد من الممرضين والموظفين وجاء الممرضون ليقضوا أعتقالهم في عنبر مجاور لمستشفى سجن ليمان طره التى كنت مقيما فيها وقتها وسمعتهم وسمعت ما جرى لهم

 ..........
لم يكن الاتصال بخارج السجن قاصرا على الاتصال بالاهل بل يحتاج كثير من المعتقلين لمعرفة ومتابعة الاخبار السياسية والاقتصادية المحلية والدولية وكانت الصحف ممنوعة لسنوات طويلة وكذا امتلاك المذياع أو التلفاز وحتى عندما سمحوا بالصحف فإنهم كانوا يمنعون صحف المعارضة والمستقلة والاجنبية ، وإزاء ذلك كان يتحتم علينا أن نتصرف فكنا نشترى الصحف من المسجونين الجنائين والتى كانوا عادة يسرقونها من مكاتب الضباط أو غيرها كما كنا ندفع نقودا للمسئولين عن التفتيش أثناء إدخال الطعام الوارد لنا من عائلاتنا أو أثناء رجوع بعض المعتقلين من المحكمة أو النيابة كى يغض هؤلاء المفتشون الطرف عن دخول صحف او مذياع أو اقلام أو كتب ولقد حقق المعتقلون كثيرا من النجاحات في هذا المجال لدرجة أننا كنا نتابع صحفا بعينها بشكل منتظم لكن هذا كان يتكلف كثيرا من المال حتى إننا كنا نشترى الجريده التى ثمنها جنيها واحد بـ 15 جنيه


وقد أدى ذلك لتوقيع عقوبات كثيرة على حراس وضباط السجن خاصة من كان منهم في مباحث السجن وكان ذلك يحدث عندما كان يتم ضبط كميات متسلسة الارقام من الصحف والمجلات فى الزنازين حيث أن ذلك كان يعنى أنها تدخل بإنتظام وبشكل مستقر


اما المعركة التى كانت أكثر صعوبة وخطورة وأكثر تكلفة فهى الحصول على مذياع صغير ووصل الامر بنا أننا أشترينا من مسجون جنائى ذات مرة مذياعا بثمانين جنيها بينما ثمنه الاصلى الذى يستحقه لم يكن يزيد على عشرة جنيهات لكن شده حاجتنا له دفعتنا لعدم التفكير في حجم المال المدفوع فيه ، والمذياع بهذا السعر أوفر وأفضل من شراء جريدة بـ 15 أو 20 جنيها ولكن المذياع معرض لأن يعثروا عليه ويصادروه ويعاقبوا الزنزانه التى وجدوه فيها في أى لحظة فكان شراء مذياع يستلزم إيجاد مكان يصلح لأخفائة من التفتيش الدورى الذى تجريه مباحث السجن وهذا كان تحديا أخر يواجهنا وأختلفت طريقة الأخفاء من سجن لأخر بل من زنزانه لأخرى وكانت السجون القديمة المبنية بالطوب العادى وأرضيتها من البلاط العادى كانت سهلة حيث يجرى خلع بلاطة والحفر تحت البلاطة المجاورة لها ودس المذياع الملفوف جيدا في عدة أكياس بلاستيك لحمايته من أى رطوبه وكذا كان من السهل عمل مكان سرى في الحائط الذى يسهل حفره لكن مع تطور خبرات الجهاز الامنى ومعرفته بأساليب المعتقلين جرى بناء جميع السجون الجديدة من الخرسانه المسلحة سواء الحوائط أو الارضية أو السقف كما جرى دهانها بدهان براق يتيح لأى مفتش الاطلاع على أى خدش يطرأ عليه ليفحصه ويدرك ما إذا كان تحته مخبأ أم لا


ولكن المعتقلين لم يستكينوا لهذا التحدي الجديد فقاموا بإبتداع طرق عديده للأخفاء في هذه الخرسانه فقاموا بتحديد الاماكن الضعيفة منها وكذا الاماكن التى يعقبها تجويف ما ثم حفروا هذه الخرسانة بأدوات بدائية وبطرق مختلفه وعملوا بها تجاويف للمذياع أو الاقلام والاوراق أو حتى الكتب وأختلف  ذلك من سجن لسجن ومن وقت لوقت وكان دائما من المهم لنجاح العملية أن يتم لصق قشرة مماثلة لطلاء الغرفة تماما فوق فوهة التجويف الذي تحتم دائما سد حلقها بطريقة تجعلها صماء بحيث حتى لو نقرها لمفتش بيده أو بأى أله تعطى صوتا مصمتا عاديا لا يشير لوجود أى تجويف في هذا المكان


وأختلفت فلسفات المعتقلين في أختيار المكان الذى يجرى عمل المخبأ به فالبعض أختار مكانا بعيدا عن العيون مثل أعلى قمة السور الفاصل بين دورة المياه والزنزانه في سجن الوادى الجديد مثل عتبه الشباك الداخلية في سجون الفيوم علما أن الشباك ملتصق بسقف الغرفة بينما أختار البعض مكانا ظاهرا تحت العيون أعتمادا على أن المفتش عادة مايبحث فى الاماكن البعيدة والخفية ولم يخطر ببالة أن أحدا سيخفى شيئا تحت عينه مباشرة فكان هذا الفريق يعمل المخبأ في وسط الغرفة أو أى مكان ظاهر فيها .
وكان المخبأ يطلقون عليه تأمين ولكن لا يجرى التلفظ بهذه الكلمة بصوت مرتفع أبدا بل كان له أسم حركى يجرى التلفظ به بشكل عادى وهذا الاسم هو ابو أمين فلو طلب شخص المذياع أو القلم أو الورق فأن الرد لو كان في المخبأ أن يقال أنه عند أبى امين فيفهم جميع المعتقلين أنه في التأمين وأن موعد خروجه من التأمين لم يحن بع

.
وكانت بقية الاشياء الممنوعه لها أسماء حركية خشية أن يسترق أحد من الحراس السمع ويبلغ عن وجود شيء ممنوع بالزنزانه فكان القلم نطق عليه عبد الحميد نسبة إلى عبد الحميد الكاتب وكان المذياع يطلق عليه ماجد سرحان نسبة للمذيع الراحل في الـ BBC  وهكذا كان يطلق على الصحفـة ( هيكل ) نسبة للصحفى الشهير وبهذه الاساليب تغلب المعتقلون على عوائق الاتصال والحصول على المعلومات في السابق ولكن في السنوات الاخيرة تم السماح لأكثر المعتقلين بالحصول على المذياع التلفاز والصحف الحكومية بشكل رسمى كما جرى السماح بشكل غير رسمى بالصحف المستقلة والمعارضة والاجنبية وأهتم كثير من المعتقلين بالصحف المستقلة وعلى رأسها الدستور وصوت الامة والمصري اليوم بالاضافة لجريدة الاهرام شبة الرسمية التى ما يزال يهتم بها كثير من المعتقلين السياسيين أما الصحف العربية التى تصدر في الخارج فلم يهتموا ألا بصحيفة الشرق الاوسط وصحيفة الحياه الصادرتان في لندن وكان فريق كبير يهتم بالحياة من أجل ما بها من مقالات وتحليلات سياسية بينما كان فريق أكبر يهتم بالشرق الاوسط بسبب متابعتها المميزة بشأن الحركات الاسلامية ودأب المعتقلون على شراء عدد من الصحف بمال عام مجموع من جميع المعتقلين أو نحو ذلك بحيث تتاح هذه الصحف للمعتقلين جميعا مثلها مثل الطعام العام الذى يأكل منه الجميع وهذا تقليد يعمل به المعتقلون بكل السجون غالبا .
كما أنشأت مجموعات من المعتقلين أتحادات خاصة يدفع أعضاؤها أشتراكا أسبوعيا مقابل شراء صحف ومجلات معفية تتاح لجميع أعضاء الاتحاد وهذا شيء أضافي يضاف ويتكامل مع الجرائد العامة المذكورة من قبل


وكان قلة من المعتقلين يتابعون صحفا ومجلات بريطانية وأمريكية وسبب قلة عددهم أمران الاول غلاء ثمن هذه المجلات والثانى حاجز اللغة الاجنبية حيث لم يكن متمكنا منها سوى قلة وكان عدد أقل يتابع دير شبيجل الالمانية لندرة من يعرف هذه اللغة من المعتقلين وبعد ما أصبح التليفون المحمول متاحا في مصر بدأ عدد من المعتقلين يهربونه للسجن ويستخدمونه خفيه وكثرت حالات ضبط تليفونات محمولة في السجون في الفترة الاخيرة ولا يتعرض حاملة لعقوبات قانونية لعدم وجود قانون يحرم ذلك لكنه يتعرض لعقوبات إدارية في أغلب الحالات مثل أن يتم تغريب المعتقل أى نقله إلى سجن بعيد جدا وعادة ما يكون سجن الوادى الجديد حتى صار في سجن الوادى الجديد عنبر أسمه عنبر المحمول لكن المشكلة جاءت من أنه جرى ضبط أجهزة تليفون محمول في سجن الوادى الجديد نفسه.

كيف عاش المعتقلون فى السجون

 

لا شك أن لفترة الإعتقال جوانب كثيرة سياسية و إجتماعية وثقافية و دينية و قانونية و هذا الجانب الأخير يشمل مجال حقوق الإنسان ولكننا في هذه السلسلة من المقالات إقتصرنا على الجوانب الإجتماعية والثقافية فقط لأسباب لا تخفى على حصافة القارئ الكريم


و أول مشهد إجتماعي يصادفه المعتقل ما يتعلق بالطعام الذى يصرفه السجن بشكل يومى, وهو عبارة عن مقررات محددة يتم صرفها مرتين في اليوم حسب نوعية المعاملة, فعندما تكون المعاملة حسنة يجرى صرف أولهما في الصباح الباكر وتحوى مقررات الإفطار وعادة تكون فول أو عدس ثم يتم صرف الثانية بعد الظهر وتشمل أرز مسلوقا وخضار مطبوخا بالإضافة لخس أو جرجير أو بصل نئ أو نحو ذلك كما تشمل جبن و حلاوة طحينية أو مربى و ثلاثة أرغفة وهذا كله يومى, و يضاف لذلك في يومين في الأسبوع لحم مستورد مسلوق أو بيض مسلوق أو دجاج مسلوق ويكون ذلك في يومى الإثنين والخميس ويضاف أيضا في يومى الثلاثاء والجمعة بيضتين مسلوقتين لكل معتقل أو مسجون


وفي الواقع فإن هذه المقررات لم تكن بهذا التنوع ولا بهذه الكميات ولكن جرى إصلاح وتحسين لهذه المقررات على مراحل متعددة إستغرقت الستة وعشرين عاما الأخيرة وكان أهمها وأبرزها في صيف 1998م, وذلك بسبب ضغوط الجهات المهتمة بتحسين أوضاع المعتقلين والمسجونين و لكن نقطة الضعف في هذا النظام هو كيفية التنفيذ حيث أنه يتعرض للتبديد والتبذير من يد المتعهد المدنى إلى يد إدارة السجن إلى يد موظفي المخازن إلى يد موظفي المطبخ ثم إلى يد الحراس ثم إلى يد العمال (مسجونون جنائيون في العادة) المسئولين عن توصيله ليد المعتقلين والمسجونين, و طبعا الكل يعرف النكته التى تقول نهايتها أن الرئيس يسلم عليك بينما كان الرئيس أرسل له معونة مادية فتبددت في الطريق حتى لم يصل للمواطن سوى سلام السيد الرئيس دون معونته المادية التى أرسلها بعد أن أخذت كل يد نصيب ما من المعونة المرسلة


وعلى كل حال فالمعتقل السياسي والمسجون السياسي أحسن حالا من المعتقل والمسجون الجنائي في هذا المجال و غيره لأن مباحث أمن الدولة تحرص على مستوى عام مقبول بدرجة ما في هذا المجال للمعتقلين والمسجونين السياسيين, و ذلك في السنوات الأخيرة فقط, بالإضافة إلى أنه حتى في حالة الخلل فإن وراء  المعتقلين والمسجونيين السياسيين فريقا يدافع عنهم يضم صحفيين و محامين و منظمات مجتمع مدنى كلهم يدافعون عن السياسي بدرجة ما من حين لأخر أما المسجون والمعتقل الجنائى فإن معاملته أسوأ من معاملة الحيوان في السجون المصرية إلا من كان منهم مسنودا لسبب ما كمن عائلته كبيرة أو لديه علاقات واسعة مع ذوى النفوذ أو يمتلك ثراءا واسعا, وللعلم فإن المسجون الجنائى يقع تحت إشراف مباحث قطاع السجون وليس أمن الدولة


وعلى كل حال فالذى يهمنا في هذا الصدد هو كيف يتعامل المعتقل السياسي مع هذه المقررات من الطعام وفي الواقع فإن تعامل المعتقل السياسي يختلف عن الجنائى في هذا الصدد حيث أن المعتقلين والمسجونين السياسيين يتسلمون مقرراتهم الغذائية بشكل جماعى متضامنين مع بعضهم البعض و متكافلين سواء كانت الكمية صغيرة أو كبيرة و يتناولون طعامهم بشكل جماعى, وهذا على عكس الجنائين حيث عادة ما يتسلمون غذائهم فرادى, ولا يأكلون مع بعض إلا في حدود الصداقات المحدودة أو القرابة إن وجدت, و إلا فلا يأكل كل منهم إلا منفرد


و يرتبط بهذه النقطة علاقات التكافل الأخرى التى عادة ما تجرى بين المعتقلين السياسيين الإسلاميين وهى تشمل كل المجالات في العادة حيث يخلطون كل الأطعمة الواردة إليهم من أسرهم فيما يسمى بزيارة أسرهم لهم في السجن, فيتم وضع طعام الغنى مهما كان كبيرا مع طعام الفقير مهما كان صغيرا أو رخيصا و يجلس الجميع مع بعضهم البعض يأكلون متساويين لا فرق بين عنى وفقير ولا بين كبير وصغير و لا بين جاهل وعالم ونفس الشئ يجرى في الدواء, فالطعام والدواء عادة ما يوزع على كل محتاج بغض النظر عن من جاء به وهذا في كل الأحوال سواء أحوال الضيق والشدة أو أحوال الراحة والرخاء و أذكر عندما كنا في سجن الواحات (الوادى الجديد) أننا كنا في حالة شدة وضيق و كان غير مسموح بدخول الطعام من قبل أسرنا إلا بكميات ضئيلة للغاية و كنا نوزع الدجاجة الواحدة على ثلاث غرف علما بأن كل غرفة بها عشرين معتقلا على الأقل و الأمر في الدواء كذلك بل أكثر من ذلك حيث كان كثيرون من المعتقلين ذوى اليسار المادى يشترون على نفقتهم الخاصة الدواء للمرضى الفقراء أو حتى الأغنياء الذين كانت أسرهم تتخلى عنهم فلا تزورهم في المعتقل و لا ترسل لهم طعاما ولا مالا ونفس الأسلوب يجرى بشأن المشتروات التى تم شراؤها من كانتين السجن حيث يجرى توزيعها بالتساوى على المعتقلين السياسيين بغض النظر عمن دفع ثمنها, وهذا كله معمول به بإنتظام في حالات الرخاء وفي حالات الشدة


وفى حالات الشدة يجرى نفس أسلوب التكافل في الملابس و في الكتب أيضا خاصة الكتب الإسلامية.
و هذا الأمر ليس خاصا بإتجاه فكرى معين بل نجد الزنزانة بها أشخاص من جماعات متعددة ومختلفة فكريا لدرجة أن هناك جماعات تكفيرية (وعدده ضئيل جدا في العادة بالنسبة لبقية تيارات الحركة الإسلامية) تكفر كل من ليس عضوا بها حتى لو كان من جماعة إسلامية أخرى و مع ذلك يلتزمون بقواعد التكافل هذه دون أى إستثناء.
وحتى عندما ينضم للمعتقلين السياسيين الإسلاميين أشخاصا من خارج الحركات الإسلامية بعامة أو حتى من يسمون بقضايا إدراء الأديان فإن قواعد التكافل هذه تجرى عليهم بإنتظام أيضا.
وتطورت قواعد التكافل هذه مع مرور السنين الطويلة من تكافل أشبه بالنظام  الشيوعي في جانبه الحسن إن جاز التعبير إلى تكافل أشبه بالنظام الرأسمالى في جانبه الحسن أيضا إن جاز التعبير


فمثال الأول هو ما سبق ذكره حيث كل الملكيات هى ملكية عامة بسبب الشدة وسوء المعاملة وندرة الموارد جدا إزاء الحاجات.
أما الثانى فجرى إقرار الملكية الفردية للأشياء التى ترد في الزيارات أو من قبل أسر المعتقلين كالمال وغيره مع حض أصحابها بالموعظة الحسنة على التصدق والتبرع به و إعادة توزيعه بالتساوى على جميع المعتقلين المحتاجين الذين يكون جرى حصرهم مسبقا.
و إستقر الأمر إما على النظام الأخير أحيانا أو في أحيان أخرى على نظام هجين مكون من مزج ما بين ما بين النظام الأخير و الأول


و فى كل الأحوال كان أنصار كل نظام يسوقون الأيات والأحاديث التى يستدلون بها على أفضلية نظامهم لكن أحدا لم يقل بأن النظام الذى يتبناه فريضة حتمية إلا أصحاب نظام إحترام الملكية الفردية و إعادة التوزيع من التبرعات, أما بقية النظم فكان أصحابها يقولون أنها ليست فريضة ولكنها فضيلة مستحبة يحتمها الواقع الصعب الذى نعيشه.
و أذكر في النظام الأخير (نظام الملكية الفردية) أنه عندما أقر هذا النظام الفردى بعد نظام الملكية العامة و نحن في سجن الفيوم عام 2000م فإن نصيب الفرد الفقير إرتفع من جنيه وربع في الشهر في نظام الملكية العامة إلى أكثر من 15 جنيه في الشهر في النظام التبرعى الطوعى في الملكية الفردية.
 كما أذكر أننا بعد ذلك في سجن أبى زعبل الجديد في عام 2004م عندما سمحت إدارة السجن لنا بإدخال ثلاجات على نفقتنا الخاصة إنخفضت التبرعات و إشتكى لي الشيخ جاد القصاص وقال لى: "مش عارف أقول إيه هل أدعو الله أن تحترق كل هذه الثلاجات, يا أخى نحن نأكل لحم كل يوم وبجانبنا زنزانة طعامها قليل" قلت له: نشط عملية التكافل شوية وكلف بها أشخاصا نشيطين" فاستجاب لنصيحتى, و كان الشيخ جاد إمامنا وواعظنا في صلاة الجمعة وغيرها, فنصح الناس بالتصدق و أشرف على جمع الطعام و إعادة توزيعه و انصلح الحال مرة أخرى, لكن هناك عنبر أخر في نفس السجن كان يجرى فيه نظام الملكية العامة في نفس الوقت


كما أذكر أيضا بهذا الصدد عندما كنت في سجن إستقبال طرة في أواخر 2004م  و أوائل عام 2005م أن جاء معتقلون لقضية جديدة شهيرة و كان عددهم كبيرا وكانوا كما الحال مع كل معتقل جديد ممنوع عليه الإتصال بأهله و ربما لا يعلم أهله مكانه أصلا وبالتالى لا تصله نقود ولا ملابس و لا طعام من أهله, و حينئذ سمحت لهم إدارة السجن بتلقى ما يشاءون من المعتقلين القدامى من في عنبر(ب) و عنبر (د) وكان هؤلاء الجدد يملأون عنبر (ج) حيث كان عددهم نحو 400 معتقل و كانوا بالطبع يحتاجون ملابس و كمية كبيرة وغالية الثمن من الأدوية بالإضافة للبطاطين والفرش, وقد قامت فئات عدة بشراء كل هذا لكل هذا العدد و تكلف ذلك عدة آلاف من الجنيهات دفعها المقتدرون من قدامى المعتقلين الإسلاميين.
و منذئذ أصبح مثل هذا العون لمعظم القادمين الجدد أمرا مستقرا ومسموحا به إلا في حالات إستثنائية جدا و ظل هكذا إلى أن جرت محاولة الهروب من سجن إستقبال طرة حيث أصبح سجن إستقبال طرة خاوايا من المعتقلين القدامى ومقصورا غلى الجدد فقط


والمعونة هذه كانت دائما إما بإذن مباشر من إدارة السجن أو بضوء أخضر خفى منها.
و إذا كانت هذه هى القواعد العامة لمجال التكافل بين المعتقلين في الطعام و النقود والملابس و الأدوية فإن لكل قاعدة إستثناء أو أكثر, و من هذه الإستثناءات أننى كان لدى في حسابى المالى لدى السجن مبلغا من المال لأن أبى رحمه الله كان يرسل لى حولات متعددة كل شهر كل منها بمبلغ مائة جنيه و تراكم المبلغ لأننا ظللنا أكثرمن سنة غير مسموح لنا بالتصرف في نقودنا فعندما سمحوا لنا بالتصرف فيها بقيود معينة صرت من الأثرياء بسبب هذا التراكم و صرت أنفق منها بسعة فكلمنى محمد وهو صديق لى عبر الشباك و كان في زنزانة أخرى وقال لى مازحا أنه تأتيه زيارات كثيرة و لا يأتيه مال و أنا يأتينى مال كثير بينما لاتأتينى زيارات ثم أكمل فما رأيك بأن نبدل جزءا من الزيارات بجزء من المال, فضحكت و قلت له أنا تحت أمرك بلا شئ, و كان هذاالصديق من جماعة الجهاد المصرى و كان جالسا في غرفة مع عدد من أعضاء وقادة الجماعة الإسلامية, و ذكر لى فيما بعد عندما قابلته على إنفراد أنه و إن تكلم بصيغة المزاح فإنه كان جادا لأن واحدا أو أكثر من رفقائه في الزنازنة ألمح له بإمتعاضه من محمد نفسه لأنه لا يصله مال من أسرته


ثم إتصل بى بعد ذلك صديق اسمه مصطفى من جماعة الشوقيين و كان الإتصال عبر ثقب الباب لإن بابى الزنزانتين كانا متلاصقين و قال لى أنه بحاجة أن أرسل له من حسابى بضاعة من الكنتين بمبلغ ثمانين جنيها له ولشخص أخر معه لا أذكر اسمه و هو من جماعة أخرى تكفر كل من ليس معهم بما في ذلك تكفر الشوقيين, و قال لى أنه سيقوم بسداد ذلك لى فيما بعد عندما يصله مال من زوجته, و أنا فهمت الموقف جيدا في التو واللحظة لأن كل السلع التى كانت يتم شراؤها من الكنتين كانت توزع بالتساوى على جميع من في العنبر بغض النظر عمن دفع و من لم يدفع, ففهمت أن شخصا ما في الزنزانة مع مصطفى قد وجه له لوما تلميحا لإنه ليس لديه مال فأراد أن يظهر أن لديه مالا رغم أن كل المال سيوزع في النهاية بالتساوى و أنا قررت على التو أيضا أننى سأصر على عدم إسترداد هذا المبلغ منه و قد كان.
وعندما قابلت مصطفى منفردا فيما بعد ذكر لى أن تخمينى بشأن اللوم كان صحيح


و في الواقع إننى لم أكن أزور في ذلك الوقت لأنى كنت أرسلت لأسرتى ألا يأتوا وأن يرسلوا لى مبلغ كذا كل شهر حتى أرسل بالتغيير إما تغيير المبلغ أو إستدعائهم للزيارة و ذلك لأن الزيارة كانت في منتهى السوء وبها مشقة كبيرة على الأهالى و أيضا على المعتقلين رغم إنه كان مسموحا بدخول قليل من الطعام عبرها و كانت إدارة السجن أحيانا تسمح بدخول بعض الدواء و بعض الملابس أو بعض الكتب الدراسية المعتمدة وأحيانا أخرى لا تسمح بشئ من ذلك و لم يكن لذلك قواعد مستقرة


و بغض النظر عن أى تفاصيل فإن القاعدة كانت و ما زالت هى التكافل التام أو شبه التام و ما إعترى ذلك من ممارسات تخالف روح التكافل كانت أفعلا فردية لا تعبر إلا عن سلوك شخصى فردى لا علاقة له بالخط العام والعرف العام الذى كان دائما تكافلا إسلاميا تعددت صوره على النحو الذى سبق ذكره.

ما هو الاعتقال السياسى ؟ ومن هم المعتقلون السياسيون؟

 

صدمنى أنني وجدت الكثيرين لايعرفون ما هو الإعتقال السياسي ولا من هم المعتقلون السياسيون, و حتى الذين لديهم بعض المعلومات بهذا المجال وجدتها مشوشة لحد كبير جدا.
 وبعيدا عن الدخول فى تفصيلات هذا التشويش فهدف هذا المقال هو إزالة هذا التشويش من واقع تجربتي كمعتقل سياسي سابق

.
فالإعتقال بصفة عامة هو من معالم قانون الطوارئ البارزة, وتقضى القوانين المتعلقة به بأن يعتقل الشخص بقرار منفرد من وزير الداخلية, وهذا القرار أشبه بالقانون فهو ينشر في الجريدة الرسمية, و بموجبه يخضع الشخص للإعتقال لمدة 30 يوما ممنوعا من التظلم أو الإتصال بأهله أو أصدقائه أو حتى أعدائه, ولكن يجوز له أن يزوره محامى معه تصريح بالزيارة من النائب العام, وبعد مرور هذه الأيام الثلاثين فللمعتقل أن يتظلم من إعتقاله أمام المحكمة في دوائر قضائية مخصصة لذلك, فلو رفض القاضى التظلم يظل المعتقل في السجن 30 يوما أخرى دون أى حق في التظلم وبعدها يعيد الكرة مرة أخرى, لكن لو لم يرفض القاضى التظلم بل قبله فلوزير الداخلية حق الإعتراض خلال 15 يوما, وعادة ما يعترض الوزير في اليوم الأخير أى اليوم 15 ليقعد المعتقل أكبر فترة ممكنة في الإعتقال, ثم تنظر المحكمة في إعتراض الوزير خلال 15 يوما أخرى, وعادة ما تكون في اليوم 25 بسبب زحام القضايا و إنشغال المحكمة, وفى حالة رفضت المحكمة إعتراض وزير الداخلية فإنه يلزمه الإفراج عن المعتقل خلال يومين, وفى حالة وافقت المحكمة على إعتراض الوزير فإن المعتقل يظل معتقلا دون أى حق في التظلم مدة 30 أخرى ثم تعاد نفس الخطوات مرة أخرى بنفس الترتيب
هذا عن الجوانب النظرية الظاهرة لعملية الإعتقال وخطواته.

 لكن ماذا عن فلسفة الإعتقال أو دوافعه؟
المفترض أن وزير الداخلية لا يلجأ للإعتقال إلا إذا تيقن أن شخص ما يهدد أمن المجتمع  بإرتكاب جريمة ما خلال أيام, لكن الوزير لن تتوفر له القدرة على تقديم أدلة تقنع القضاء (الذى هو هنا النيابة العامة) بحتمية إصدار قرار بالقبض عليه, لكنه سيستطيع توفير هذه الأدلة خلال أسابيع, ولذا فهو يعتقل الشخص لمنعه من إرتكاب الجريمة لحين تجهيز الأدلة, ومعنى ذلك أيضا أن تكون الجريمة سترتكب خلال أيام والأدلة خلال أسابيع, لكن لو كانت الجريمة سترتكب خلال شهور و الأدلة ستكون خلال أسابيع أو حتى شهور أقل من موعد الجريمة فلا داعى للإعتقال لأنه يمكنه إستصدار قرار من النيابة العامة بالقبض عليه.
على كل حال فكل السطور السابقة هى عن القانون, وليس عن التطبيق, لذلك أرجو من القارئ الكريم أن ينساها تماما, ولا يذكر لأحد أننى قلتها لئلا يظن أحد أننى ساذج, فالواقع لايمت لما سبق بصلة.
فقرارات الإعتقال لاتنشر في الجريدة الرسمية بعكس ما يقضى القانون.
و الإعتقالات تتم بلا معلومات وبلا خوف من جرائم عاجلة أو حتى غير عاجلة في الأغلب الأعم, ويظل المعتقل سنوات طويلة دون أن يقدم ضده أى دليل حقيقى على مخالفته للقانون, ففى حالتى مثلا ظللت معتقلا 14 عاما و ستة شهور دون أى داعى, وقدمتنى الداخلية لنيابة أمن الدولة والتى قدمتنى بدورها للقضاء العسكرى حيث أصدرت المحكمة العسكرية العليا قرارا نهائيا ببرائتى من جميع التهم المنسوبة لى في عامى 1993م و 1999م, ورغم ذلك كله وغيره ظللت قبل هذا  وبعده داخل السجن لمدة 14 عاما وستة أشهر, متواصلة. 
وتوجد آلاف الحالات مثلى


و آلية هذا الإعتقال الطويل هى تنفيذ أى حكم قضائى نهائى بالإفراج عن المعتقل على الورق فقط بينما المعتقل مختفيا في مكان ما تابع لوزارة الداخلية لعدة أيام بعدها يصدر ضده قرار إعتقال جديد بالتاريخ الجديد كأنه معتقل جديد من بيته بعدما أفرج عنه, هذا رغم أنه لم يخرج من قبضة الشرطة ولم ير الشمس.
كل هذا القسم من المقال شرح نظرى مبسط لكنه يتضح أكثر بالقصص الأتية:
كانت قوة من الشرطة تجوب الشارع الرئيس في مدينة سوهاج عام 1996م بينما الأخ أحمد عبدالرحيم خلف الله المشهور بأحمد العجلاتى كان واقفا على الرصيف يصلح العجل كعادته كل يوم, فإلتفت الضابط  إلى المخبر سائلا ومن هذا؟
فرد المخبر: إنه عم أحمد العجلاتى يا باشا راجل غلبان بياكل عيش وفي حاله.
فرد الضابط: طب سيبه.
لكن الضابط استدرك قائلا: ولا أقولك.....هاته بدل ما نرجع بإيدينا فاضية.
و اعتقل عم أحمد العجلاتى لأكثر من عشر سنوات منذئذ


و في شبرا الخيمة كان الأخ أسامة محمد أحمد الصعيدى في المرحلة الثانوية ووجد أن الأخوة بالمسجد المجاور لهم سيخرجون برحلة ترفيهية لأحد الملاهى سنة 1992م فأخذ قيمة الإشتراك في الرحلة من والدته وذهب مع الأخوة في الرحلة, لكن عندما علمت الأجهزة الأمنية بأمر الرحلة عام 1993م إعتقلوا أسامة و أخوه الأكبر أحمد و أخوه الأكبر منهما ياسر, وكان ياسر و أحمد يعولان الأسرة لأن أباهما كان ميتا, وبعد سنتين أفرجت الداخلية عن أسامة الذى ذهب للرحلة والذي اعتقل بسببه أخواه, أما أخواه ياسر الصعيدى و أحمد الصعيدى فمازالا في السجن حتى الآن


ولكن مهما كان المعتقلون السياسيون مظلومون فهل لهم إتجاهات فكرية معينة و ما هى هذه الإتجاهات؟؟؟؟
بصفتى أحد نشطاء الحركة الإسلامية منذ 1978م (كنت وقتها في المدرسة الإعدادية) فيمكننى بسهولة التمييز بين التيارات الفكرية المختلفة للحركة الإسلامية لكننى لا أريد ذكرها هنا من هذا المنطلق فقط بل بشكل أساسى من واقع معيشتى مع مختلف التيارات في المعتقلات, والهدف من ذلك أن يفهم القارئ من هم المعتقلون السياسيون و ما هو السياق العام لعملية الإعتقال, و أيضا كى يستطيع القارئ تفهم سائر الأبعاد للمشاهد الإجتماعية التى سنذكرها فيما بعد إن شاء الله


كانت-وما زالت- التيارات الأكثر إعتقالا هى التيارات الإسىلامية بعامة و كل من يقترب منها, لكن كان للإخوان سجون خاصة المعاملة فيها أحسن حالا من غيرهم كما كان نادرا جدا أن يتعرضوا لتكرار الإعتقال الذى ذكرناه في أول المقال, وذلك كله بسبب المساندة القانونية والإعلامية والسياسية التى يتمتعون به


والناس جميعا يعرفون من هم الإخوان بما يغنى عن الحديث عنهم, لكن لا مانع من التذكير بأن معتقلى الأخوان (مثلهم مثل أغلب أعضائهم) من ذوى التعليم الجامعى فما فوقه، ومن أبناء الطبقة الوسطى بكل شرائحها, كما أنهم أكثر إنضباطا وإلتزاما بالمعايير الإسلامية والإخوانية بمافيها حسن الخلق في الحياة الجماعية في الزنازين مع ميول ما للتصوف لدى كثير منهم.
أما بقية التيارات الإسلامية فكان يتم إعتقال أعضائها معا في سجون واحدة بل وفي زنازين واحدة حتى عام أخر صيف 2002م عندما تم تخصيص سجون أو عنابر مختلفة في كل سجن لكل تيار على حدة


كان أغلب المعتقلين محسوبين على الجماعة الإسلامية يليهم جماعة أحمد يوسف وهم سلفيون سروريون تم تصنيفهم على أنهم مقربون من الجهاد المصرى يليهم في العدد الشوقيون وهم تياران أحدهما تيار شوقى الشيخ والأخر تيار مصطفى بكرى ثم يأتى بعد ذلك الجهاد المصري ثم جماعة المسلمين المعروفة إعلاميا بجماعة التكفير والهجرة ثم القطبيون ثم السلفيون ثم مجموعات صغيرة من جماعات صغيرة غير مشهورة وكلها تكفيرية


الشوقيون و جماعة المسلمين هما من الجماعات التكفيرية, لكن جماعة المسلمين تحمل عقيدة الخوارج مع تعديل طفيف, أما الشوقيون فهم يحملون عقيدة أكثر تشددا من الخوارج لكنهم يبررونها بتبريرات مزيفة من كتب أهل السنة, وأغلب أعضاء جماعة المسلمين الشباب هم من أبناء أعضائها القدامى كبار السن و الجيل الشاب هذا لم يدخل المدارس ولا الجامعات لأن الجماعة بعد موت شكرى مصطفى تبنت فكرة الإكتفاء بمدارس تقيمها الجماعة في البيوت, وعادة هم من الحرفيين أو من صغار تجار التجزئة, و إن كان في الجيل الأول بالجماعة جامعيون خاصة المهندسون, ومحمود فهمى أمير الجماعة الحالى مهندس, و أغلب أعضاء هذه الجماعة هم من الطبقة الدنيا أو من الشريحة الدنيا بالطبقة الوسطى.
وشبيه بهم في ذلك الشوقيون لكن الشوقيين أغلبهم من مركز معين بمحافظة الفيوم فيغلب عليهم الطابع الريفى و يندر من كان منهم جامعيا, لكن بهم العديد من الحاصلين على مؤهل متوسط, ويكثر فيهم العاملون بصيد السمك.
أعمار أغلب الشوقيين ما بين العشرين والثلاثين مثلهم في ذلك مثل سن أغلب أعضاء الجماعة الإسلامية, لكن الجماعة الإسلامية فيها عدد لا بأس به تحت العشرين, كل هذا طبعا في بداية الإعتقال, والجماعة الإسلامية أغلبها خريجين أو طلبة في مدارس متوسطة, وبعضهم جامعيين, وأغلبها من الطبقة الدنيا لكن بعضها من الطبقة الوسطى, وأغلبهم من محافظات الصعيد.
أما الجهاد المصرى فهم خليط من الجامعيين ومن طلبة وخريجى المعاهد المتوسطة لكن الجامعيين أكثر, وهم في غالبيتهم من الشريحة الدنيا في الطبقة الوسطى وبعضهم من الشريحة الإجتماعية الأعلى وبعضهم من الطبقة الدنيا, و أغلبهم من القاهرة الكبرى ومن محافظة الشرقية.
ونلاحظ أن جماعة أحمد يوسف في التعليم مثل جماعة الجهاد وفي الحالة الإجتماعية والإقتصادية مثل الجماعة الإسلامية لكنهم جميعا دون إستثناء من كافة مراكز محافظة بنى سويف فقط.
أما القطبيون فهم مع قلتهم يمثلون نخبة من الناحيتين التعليمية والإجتماعية.
أما السلفيون فهم من كافة المستويات التعليمية و الإجتماعية ومن كافة الأعمار.
وهكذا تتضح للقارئ الكريم أبرز الملامح الإجتماعية للتيارات الإسلامية المختلفة التى كانت ومازالت موضوعا للإعتقال, لكننا لم نتعرض كثيرا للجوانب الفكرية لئلا نسبب مللا للقارئ

      
كيف يتصل المعتقل السياسي بأسرته ؟! كيف يراهم ويرونه كيف يوصل لهم معلومات عن نفسه؟؟ وكيف تصله معلومات عن اهله؟

في الواقع أن هذا اختلف بإختلاف الاحوال عبر سنين طويلة .
وكان الاتصال الطبيعى دائما هو السماح لأسرته بزياره المعتقل نفسه في داخل السجن وكذا السماح لمحاميه بأن يزوره بنفس الطريقة وكان هذا الاتصال الطبيعى مختلفا بإختلاف الاحوال السياسية والامنيه فتراوح ما بين السماح لأسرته بلقاءه على أنفراد حتى درجة إختلاء الزوج بزوجته منفردا أمنا من أن يطلع أى أحد على ما يجرى بينهما مما نتج عنه إنجاب أطفال ووصل أيضا إلى المنع التام من الزيارة وبين هذا وذاك كانت هناك درجات مختلفة من الزيارة مثل الالتقاء بالأهل وبينه وبينهم حاجز واحد من السلك ومثل الالتقاء بالأهل وبينه وبينهم حاجزان من السلك بالاضافه في كل هذا لرقابة لصيقه من الشرطة النظامية والشرطة السرية والشرطة النسائية وغير ذلك .
كما كانت هناك صورة من الزيارة تتم عبر الالتقاء المباشر فى مكتب أو غرفة تحت رقابه لصيقة وقوية لأعين وأذان كل أنواع الشرطة المذكورة أنفا .
وكن لكل نوع من هذه الانواع من الزيارات مميزاته وعيوبه وقد توهم الكثيرون بشأن هذه المميزات وتلك العيوب توهما عجيبا فظنت الجهات الأمنية أن منع الخلوة الشرعية بالزوجه قد يدفعها للطلاق وأن السماح بالخلوه هذه قد يهديء من المشاكل بين الزوجين كما سيهدئ المعتقل السياسي نفسه فلا يتمرد على إدارة السجن ولا يتمرد على قيادة الجماعة التى ينتمى لها ورغم أن لكل رأى من هذه الاراء وجاهته ولكنى أرى أن هذه الاراء تتسم بقدر لا بأس به 
من السطحية وعدم الشمول في التفكير بشأن هذه المشكلات العديدة المتصلة بالمعتقل السياسى و أسرته


و على سبيل المثال فقد استمرت الخلوة الشرعية ممنوعة 12 عاما في المعتقلات السياسية بشكل متصل من 1993م وحتى 2004م مع بعض الإستثناءات الخاصة ببعض السجون ومع ذلك فنسبة الطلاق كانت ضئيلة جدا هذا من ناحية, و من ناحية أخرى فإن هذه النسبة الضئيلة من الطلاق يصعب القول بأن هذا المتغير كان هو سببها الوحيد في حين توجد متغيرات أخرى أشد تأثيرا مثل طول فترة الإعتقال الغير معروف تاريخ نهايته, و مثل إنعدام مصادر الإنفاق على الأسرة, ومثل الضغوط الخارجية على الزوجة منضغوط في  قبل الواقع الإجتماعى والسياسى المحيط بها و الذى طالبها صراحة بالطلاق في حالات كثيرة, وكانت هذه المطالبة مصحوبة بضغوط في حالات كثيرة, فكيف حينئذ نجزم بأن صورة الزيارة المسموح بها هى العامل الوحيد المؤثر في حالات الطلاق.
ثم ماذا ننتظر من زوجة لا تجد قوت يومها و لا قوت أطفالها حتى لو كانت الزيارة ذات الخلوة مسموح بها كل يوم؟!؟!
و كذا بالنسبة للمعتقل السياسي نفسه كيف ننتظر منه أن يهدأ ويستكين بينما يرى واقع أسرته بهذه الحالة أو أزيد منها كما إذا علم أن أولاده فشلوا فى الدراسة أو إنحلوا أخلاقيا أو أدمنوا المخدرات.....وهذه الحالات كلها حدثت بالفعل لدى العديد من أسر المعتقلين السياسيين الإسلاميين, و إن كانت الحالات الصارخة منها محدودة وقليلة العدد لكنها مشهورة, ناهيك عن حالات الوفاة و المرض التى تسارعت لا سيما مع طول المدة لتحصد الأباء والأمهات والأشقاء والشقيقات والزوجات و أحيانا الأولاد


وانطلاقا من هذه المقدمات يمكن للقارئ أن يدرك أن لمنع الزيارة مطلقا مميزات كثيرة تتمثل في أن المعتقل لا يعرف تفاصيل المشكلات التى تواجه أسرته ولا حجم الألام التى يتجرعونها من جراء غيابه في جب الإعتقال غير المحدود النهاية, ونفس الميزة حصلنا عليها من الزيارة عبر حاجزين من السلك وصفوف من الشرطة بأنوعها المختلفة, ذلك لأن الزيارة كانت تتم لعدد كبير جدا من المعتقلين ما بين عشرين إلى أربعين معتقلا في وقت واحد, و كان يزور كل واحد منهم ثلاثة كمتوسط عام, فإذا حسبنا العدد صار عدد الواقفين عل السلك يتكلمون في آن واحد من 40 إلى 160 إنسان وكلهم يتكلمون فى آن واحد لأنهم يرغبون في الإسراع في توصيل كلامهم إلى بعضهم البعض في زيارة كان وقتها المسموح به يتراوح بين دقيقتين وعشر دقائق, وبالتالى فهي زيارة إسما على غير مسمى, إذ لا يسمع أحد أحدا على الإطلاق, وقد كان المعتقلون يعملون فقرات تمثيلية في الزنازين تهكما على هذه الزيارة وفي إطار التسلى والسمر مع

 في غفلة من السجان, فكان أحد المشاهد كالتالي:
يقول الأول: يا أبى قدم لى في الإمتحان.
فيرد الثانى (الذى يقوم بدور الأب في المشهد): بتقول عايز باذنجان.
وعلى هذا المنوال تستمر الفقرات التمثيلية الخاصة بالزيارة


ولعل البعض يظن أننى أبالغ في ذكر محاسن منع الزيارة, أو محاسن الزيارة الشكلية المسماة بالزيارة السلكية, ولكننى أسوق هنا عدة قصص حقيقية حصلت فعلا أمامى لأثبت هذا الرأى, و أغلب دارت أحداثها في سجن ليمان طرة وتحديدا في مستشفى هذا السجن والتى تعتبر من أبرز و أقدم المستشفيات المركزية بمصلحة السجون.
إذ كان لهذا السجن خصوصية سياسية معينة جعلته السجن الوحيد في ذلك الوقت الذى كانت الزيارة فيه مفتوحة بدون حواجز سلك ولمدة ساعة مرتين في الشهر تحت رقابة لصيقة من الشرطة بأنواعها.
و كانت هذه المستشفى مأوى لكثير من المرضى السياسيين الإسلاميين من جميع سجون مصر, و كانوا يردون إليها فيقضون فيها وقتا يتراوح بين أسابيع وشهور ثم يعودون لسجونهم, فكان المعتقلون السياسيون الإسلاميون يحصلون على ميزة الزيارة هذه بمجرد قدومهم لهذه المستشفى, وكانوا يلتقون بأسرهم لأول مرة منذ سنوات بلا حواجز و أنا شخصيا رأيت إبنى الوحيد حينئذ بعد ولادته بأكثر من خمس سنوات في هذه المستشفى أواخر عام 1998م لأنه كان ولد بعد إعتقالى بستة شهور وحال منع الزيارة تارات ثم زيارات السلك تارات أخرى من أن أراه. 
وكانوا يمكنهم في هذه الزيارة أن يستمعوا لبعضهم البعض بوضوح لمدة ساعة كاملة و يطلعون بوضوح على كل مشكلات أسرهم التى يعانونها خارج السجن طوال السنوات السابقة لهذه الزيارة والتى كان يصل طولها لست سنوات في معظم الأحيان ونجم عن هذا تعدد المشاجرات بين أفراد الأسرة الواحدة في الزيارة أمام المعتقل الذى هو رب هذه الأسرة أو كبيرها غالبا.
ولقد إعتدت أنا في هذه الفترة أن يأتيني العديد من المعتقلين بعد كل زيارة يشكون لى من المشاكل التى تفترس أسرهم, ويستشيروننى بشأنها وظللت اظن أن مثل هذه المشكلات قاصرة على المتزوجين وكذا على الذين يعولون أسرهم كالإبن الذى يعول أمه أو أباه أو كلاهما أو من يعول أشقائه ونحو ذلك لكننى فوجئت بأحد الأخوة وهو غير متزوج ولا يعول أمه و لا أشقائه ومع ذلك جاء يشكو لى من مشاكل عديدة تلم بأسرته, و كانت هذه المشاكل ترجع لنزاعات متعددة بين أشقائه وبعضهم البعض وبين أمه و أشقائه كل منهم على حدة, كما أن سبب كل هذه المشكلات لم يكن ماليا إنما كان سببها رغبات نفسية فردية عادية وبسيطة ولكنها تراكمت بدون حل سنوات عديدة فتفاقمت وصارت أكبر من حجمها الطبيعي


ولم يكن سبب العناء من هذه المشاكل مجرد أن المعتقل تمكن من سماع أهله أول مرة منذ سنوات بل أيضا لأن ضغط المشكلات على أهله وتفاقمها دعاهم لسرعة المصارحة والإسهاب في سرد هذه المشاكل على المعتقل لعلهم يجدون عنده الحل السحرى والسريع لهذه المشكلات قبل أن يعود مرة أخرى إلى السجون الأخرى التى لا يستطيعون فيها أن يستمعوا له أو يسمعهم.
وعلى كل حال فقد كان الحلول مستحيلة لأن المعتقل الذى تنظر إليه أسرته على أن بيده كل مفاتيح الحل لم يكن يملك من أمره شيئا فضلا عن أن يملك من أمرمن أمر غيره شيئا, كما كانت الصحة النفسية والبدنية في تدهور سريع لدى البعض مما كان له تأثيره على مستوى وسرعة الأداء الذهنى في مواجهة هذه المشكلات


وكان الواقع الإجتماعى لأسرة المعتقل يتشكل خارج السجن بعيدا عن رب الأسرة المعتقل, فالأولاد كبروا بعيدا عنه والزوجة تتصرف حسب و في إطار ضغوط الواقع المريرة والأباء والأمهات بلغوا الشيخوخة والعجز و ضعفت قواهم, والأشقاء والشقيقات شقوا طريقهم على مسافة ما قريبة أو بعيدة عن طريق أخيهم المعتقل, لقد كانت ندوب الزمن قد تسللت ببطء لكن بثبات إلى وجه حياة المعتقل دون أن يدرى.