"يجوا العساكر بميكروباص , ويمسكوا أي حد يشوفوه ويخدوه القسم"
_ عزّة أ. , أربعة عشر عاماً , القاهرة , مصر
"في حي المنيل وفي ميدان رمسيس , العساكر يمسكوك كتير . احنا بنهرب , بسّ هُمّا ساعات يمسكونا ، وفيه مشكلة مع البوليس حوالي كل يومين ."
_ خالد م. , أحد عشر عاماً , القاهرة , مصر
يتطلب القانون المصري من الشرطة الحصول على أمر قبض من النيابة العامة في حال قيامهم بالقبض على أحد . أو , يتطلّب القانون وجود "دلائل كافية" على الاتهام , في الحالات التي تتضمن القبض على مشتبه فيهم بينما هم يقومون بارتكاب جريمة. ومن المعتاد أن تُنتهك هذه المتطلبات في الممارسة العملية . ولقد خفّض قانون الطفل من هذه المعايير من خلال سماحة للشرطة وللمراقبين المعينين من قبل وزارة العدل وبالتعاون مع وزارة التأمينات والشئون الاجتماعية , بإلقاء القبض علىالأطفال من غير المشتبه بارتكابهم جرائم , ولكن ممن يُعتبرون "معرضين للانحراف" .
قام مدير الإدارة العامة لرعاية الإحداث / مديرية أمن القاهرة , العميد ياسر ابو شهدي , بشرح تفسيرة لسلطات القبض , وقال : "نحن نقبض على الأطفال الذين يتواجدون في الحدائق العامة , ويبدو عليهم أنهم مشردون . ونقبض على الأطفال الذين يقومون ببيع المناديل الورقية في الشارع . لقد أصبح هؤلاء الأطفال معروفين لدينا , ولهذا فالأمر ليس صعباً . أحياناً نقوم بالقبض على أطفال يمشون في الشارع أثناء ساعات دوام المدارس ويكون الأطفال حاملين حقائبهم المدرسية على ظهورهم , ولكن ليس لدي ما يكفي من الضباط للقيام بالقبض على عدد منهم بالقدر الذي أرغب فيه . لقد طلبت المزيد من الضباط , لأننا نرغب بأن نقوم في المستقبل بحملات للبحث عن المتغيبين عن مدارسهم والقبض عليهم ." وفي حين قد تتضمن بعض حالات القبض العادية عدداً صغيراً من الأطفال , إلاّ أن معظمها تتضمن عشرات الأطفال في حي ما مستهدف . وقال العميد ابو شهدي , "إن عملنا اليومي هو جمع الأطفال من الشوارع , والقبض على أي طفل مخالف للقانون ." وتابع ابو شهدي بالقول "بالمقابل كانت حملات القبض في الأيام الثلاثة أو الأربعة الماضية أكثر تركيزاً . فعلى سبيل المثال , إذا علمنا أن عدد الأطفال الذين يقومون ببيع المناديل الورقية قد ازداد في حي مُعيّن , أقوم بحملة في ذلك الحي ." 0 وكان مسئولون آخرون في وزارة الداخلية قد أخبرونا بأنهم يعتقدون أن حملات القبض ضرورية من أجل ثني الأطفال "المعرضين للانحراف" عن التجمّع في الأحياء السياحية والأحياء التي تعيش فيها الطبقة الوسطى في القاهرة . وأخبَرَنا رجل شرطة متوسط الرتبة ممن شاركوا في حملات القبض , أن الشرطة تقوم بهذه الحملات"عشان نثبت وجود الحكومة . عشان لو ماقمناش بحملات حتتملي الشوارع بالأطفال إللي بيبيعوا المناديل ويمسحوا العربيات ."
في الواقع العملي , فإن حملات القبض هي أوسع في مداها حتى مما يقدمه هذا الوصف . فقد قال خبراء في النظام القانوني , واخصائيون اجتماعيون , ونشطاء في المنظمات غير الحكومية التي تقدم الخدمات لأطفال الشوارع والأطفال العاملين , قالوا وبصورة متواصلة بأن الشرطة تقوم خلال حملات القبض , وببساطة بالإمساك بكل طفل يجدونه في الشارع . وقالت د. عزّة كريم , وهي الخبيرة الرئيسية بشأن قانون الأحداث وأطفال الشوارع في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية والمموّل من الحكومة , "من الممكن ان تحدث حملات لجمع الأطفال بسبب وجود مؤتمر مهم في القاهرة , من أجل إخفاء الجوانب السلبية من المدينة . إنهم يرسلون سيارات الشرطة لجمع الأطفال بالطريقة التي يرسلون بها سيارات لجمع الكلاب من الشوارع ... وليس هناك أي اعتبار لخلفية الأطفال الذين يقبضون عليهم , فلا فرق لديهم بين أطفال الشوارع , وهؤلاء الذين بالمدارس أو خارج المدارس , وهؤلاء الذين يتسولون أو لا ؛ وكل ما يهمهم هو جمع أطفال من الشوارع ." وأخبرنا خبير آخر "إن الشرطة لا تمييز بين طفل يعمل كمساعد ميكانيكي , ويمشي في الشارع عائداً من عمله ومتسخ الثياب , وبين طفل يقوم بالتسوّل فعلاً . هم يقومون أولاً بالقبض على الطفل , ثم ينتظرون إلى أن يجد الاخصائيون الاجتماعيون عائلة الطفل لكي يأتي أحد من العائلة إلى قسم الشرطة لاستعادة الطفل ."
وعلمنا من المنظمات غير الحكومية التي تعمل على توفير الخدمات لأطفال الشوارع , أن هذه الحملات تعيق عملهم بشكل كبير , إذ تتسبب بمنع الأطفال من الوصول إلى مقراتهم , كما اشتكى بعض الأطفال من أنه قد أُلقي القبض عليهم بينما هم بطريقهم إلى مراكز الاستقبال في المنظمات غير الحكومية . وفي بعض الحالات , قامت الشرطة بالانتظار خارج مراكز استقبال المنظمات غير الحكومية من أجل القبض على أطفال الشوارع والأطفال العاملين عند وصولهم إلى مراكز الاستقبال . وأخبَرَنا مدير أحد مراكز الاستقبال , أنه وفي الأيام العادية , يزورهم ما بين خمسة وعشرون إلى ثلاثين طفلاً , ولكن في الأيام التي تجري فيها حملات قبض "قد ينخفض العدد إلى أربعة أو خمسة أطفال , ويكون ذلك إمّا لأن الأطفال قد قُبض عليهم , أو لأنهم يخشون من أن يقبض عليهم خارج مركز الاستقبال فيما إذا حاولوا دخوله ."
تستخدم الشرطة حملات القبض , كذلك من أجل التحقق عمّا إذا كان هناك أوامر قبض معلقة بحق الأطفال الذين يعيشون أو يعملون في الشوارع , ومن أجل الحصول على معلومات عن الجرائم في الأحياء , ولإجبار الأطفال على الانتقال إلى إحياء أخرى , عندما يصبحوا ظاهرين بوضوح في حي معيّن . وصف ناصر ي. , خمسة عشر عاماً , واحدة من تلك الحملات وقال "كُنّا سبع عيال , وكُنّا قاعدين عَ النيل . جا البوليس بعربية فيات وما كانشِ باين إنها عربية بوليس , وخدونا لقسم العجّوزة . كان فيه سرقة في الحي ,كان فيه بنات سرقوا دهب وفلوس وتليفون محمول من عربية , وعشان كده كانوا بيمسكوا أي حد . كانوا عاوزين يعرفوا البنات فين ." أُطلق سراح الأطفال في فجر اليوم اللاحق , بعد أن احتجزوا في حجز مزدحم مع بالغين . "الزنزانة كانت كبيرة , غرفتين و ممر , وكانت مليانة ناس. احنا نمنا في الممر , بسّ على الأقل كان فيه مكان نمد جتتنا . خدنا أكل من المحجوزين التانين . العساكر ما ادّوناش أكل . مسكونا في النهار , وخدونا النيابة , ورجعونا القسم , ومشونا قبل الفجر . النيابة كشفت على السوابق , وبعدين قالوا اننا نقدر نمشي ." وقال خالد م. , أحد عشر عاماً , " فيه مشكلة مع البوليس حوالي كل يومين , أول مبارح مسكوني في حي المنيل . كانوا بيدوّروا على واد عايزين يقبضوا عليه , وعشان كده مسكونا ، كنا حوالي حوالي خمس عيال , وقالوا لنا 'تعرفوا واد اسمه أحمد ؟' وقالنا ' أيوه' , قالوا 'إذا جبتوا لنا الواد ده حنسبكم تمشوا .' بسّ بدال كده هربنا كلنا وما قدروش يمسكوني ." وقال محامون وناشطون لمنظمة هيومان رايتس ووتش , بأن الشرطة تستخدم القبض على الأطفال من أجل تجنيدهم كمرشدين للشرطة , وهذه الممارسة شائعة الاستخدام مع المحتجزين البالغين .
في بعض الحالات , كان يُقبض على الأطفال بينما هم في عملهم , وقال مروان ع. , ثلاثة عشر عاماً , لمنظمة هيومان رايتس ووتش , بأن الشرطة قد قبضت عليه أثناء إحدى الحملات , عندما كان في طريقه لشراء الطعام لرفاقة في المخبز الذي يعمل فيه . "شفت واحد كان بينده عليّا , ولمّا رحت له , مسكوني وخدوني قسم شبرا ." أمّا عبداللة أ. , أربعة عشر عاماً , فقد قبض عليه أثناء استراحة من العمل لتناول الطعام . "جا مخبر بميكروباص وقبض عليّا , وقال لي إن انا 'ابن وسخة' . كنت باكل لمّا مسكوني , أنا باشتغل في ورشة ميكانيكي , وأهلي بيعرفوا ده ."
وفي حالات أخرى , يظهر أن الشرطة كانت تستهدف القبض على الأطفال الذين تدل لكنتهم أو ملابسهم أو موقعهم على أنهم ينتمون أصلاً إلى مناطق أخرى خارج القاهرة . وكثيرا ما تحدث حالات القبض هذه , في محيط محطة القطار الرئيسية في ميدان رمسيس , قرب حجز إدارة رعاية الأحداث في الأزبكية . ينتمي منصور ن. , خمسة عشر عاماً , أصلاً لبنها , ولكنه يعيش في القاهرة منذ خمس سنوات . ووصف المرّة الأخيرة التي قُبض فيها عليه , وكان ذلك قبل ثلاثة أيام من لقائنا معه . "كنت في الاسكندرية كام يوم , وكنت يا دوب وصلت محطة رمسيس في مصر , كان معايا واحد صاحبي وكنت شايل معايا صندوق البويا . مسكوني العساكر وخدوني الأزبكية وحطوني 'بالثلاجة' _ وده غرفة صغيرة تيجي حوالي تلاته متر بتلاته متر , وفيها شباكين , وكانوا بيستنوا الكشف بحث بوساطة الكمبيوتر علشان يشوفوا ان كان هناك أمر بالقبض عليّا . الكمبيوتر قال ان انا حدث فبعتوني الدور الفوقاني على الشمال مع العيال ." وأطلق سراحة بعد يومين . قُبض على محسن م. , ثلاثة عشر عاماً , بعد نزوله من القطار في محطة رمسيس . وقال , "مسكني مخبر وسألني أنا من فين , وقلت له من مدينة في الدلتا فقبض عليّا ."
كثيراً ما تتضمن حملات القبض عدداً كبيراً من الأطفال , ولهذا فهي تزيد من احتمال أن يتعرض الأطفال الذين يُقبض عليهم أثناء هذه الحملات للازدحام , وللاحتجاز مع محتجزين جنائيين بالغين , ولضروب أخرى من الإيذاء أثناء الاحتجاز وأثناء الترحيل . وأقرّ مدير الإدارة العامة لمباحث رعاية الأحداث بوجود الرابطة ما بين ما تقوم به الشرطة من قبض جماعي وبين الإساءات لحقوق الأطفال , ولكنه وضع اللوم على مديريات الشرطة . وقال , "من الممكن أن اقسام الشرطة الخاصة بالبالغين تواجه مشاكل يواجهون بضغط عدد كبير من المحتجزين من الأطفال بسبب حملات القبض , هناك تعليمات مكتوبة أُرسلَت إلى جميع الضباط , ولكن إمكانات موظفينا غير كافية للإشراف على كل مناطق الجمهورية . نحن نجري دورات تدريبيه لمديريات الأمن على مستوى المحافظات , البعض يتعلم والبعض الآخر لا يتعلّم ."
و