الاحتجاز مع جنائيين بالغين

 

"كنت في قسم شرطة الجيزة لمدة أسبوع قبل ما يبعتوني الأزبكية . وفي قسم الجيزة كنا مع حرامية , ضربونا وخلّونا نقعد بالحمام . الزنزانة كانت كبيرة قوي , وكان فيها كبار وصغار . أصغر عيل كان هناك عنده تسع سنين , اسمه سليمان . كان الكبار يضربونا ويقولوا لنا ' ورا , ورا ' , ويخلونا نقعد في الحمّام . كان فيه تلات حمامات , كلّهم مليانين بالميّة والقرف . خلونا نقعد هناك . "

_ أنور ر. , خمسة عشر عاماً , القاهرة , مصر ,  تموز 


إن احتجاز الأطفال مع بالغين من غير أقاربهم يضعهم في خطر كبير لأن يتعرضوا إلى الإيذاء , كما أنه محظور بموجب اتفاقية حقوق الطفل وبموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية  . ومع ذلك , كان خمسة عشر طفلاً من الأطفال الخمسة وثلاثين الذين قابلتهم منظمة هيومان رايتس ووتش , وممن قُبض عليهم في السابق , قد احتجزوا مع محتجزين جنائيين بالغين لمرة واحدة على الأقل . وأورد أولئك الأطفال أنهم احتجزوا مع بالغين ليسوا من أقاربهم , في مقار احتجاز أقسام الشرطة المخصصة للبالغين , ولفترات تراوحت ما بين يوم واحد إلى ثلاثة أيام , وتمتد أحياناً لمدة أسبوعين . كما أوردت البنات عن احتجازهن مع نساء محتجزات بالغات , بينما كان من المعتاد حجز الأولاد مع رجال  . كان الأطفال الذين أجرت معهم منظمة هيومان رايتس ووتش مقابلات , قد احتجزوا في واحد أو أكثر من إثني عشر من أقسام الشرطة الخاصة بالبالغين في منطقة القاهرة الكبرى  . وتحدثوا عن زنازين كبيرة ومزدحمة وغير صحية , الإشراف عليها قليل ويشيع فيها العنف


. وكان الوصف الذي قدمه ياسر أ. , أربعة عشر عاماً , نموذجاً لتجارب العديد من الأطفال , إذ يقول " آخِر مرة اتقبض عليّ فيها , كانت الشهر اللي فات . العساكر مسكوني مع عيلين تانيين , بسّ لما رحنا للقسم كان فيه عيال كتير . وفضِلت هناك حوالي أسبوع . كنّا في قسم السيدة زينب . وانا كنت في زنزانة كبيرة قوي , كان فيها ناس كتير كبار وصغار ... وكان فيه اتنين كبار اتخانقوا وتعوّروا , واحد منهم اتعوّر في رقبته , والتاني اتعوّر بسكينة في كتفه . العساكر ما عملوش أي حاجة ."  ووصف طارق أ. , ستة عشر عاماً , حادثة احتجازه في الحجز المخصص للبالغين في قسم شرطة الأزبكية , قبل شهرين , وقال "كنت في زنزانة كبيرة , تيجي قد تلات غرف , وكان معايا واحد صاحبي . وكان فيه معانا عيال اكبر مننا وعيال اصغر مننا , واصغر واحد فيهم كان عنده عشر سنين . وكان معانا كبار برضُه , وكانوا يضربونا , وانا اتضربت كتير . فِضلنا هناك حوالي خمس أيام , وبعدين روحوني البيت ."


عادة ما تكون مقار احتجاز النساء والبنات في أقسام الشرطة , أصغر من مقار احتجاز الرجال والأولاد , ولكنها جميعاً تشترك بمشاكل الازدحام والأوضاع غير الصحية , وقلة الأشراف والعنف . وقالت إلهام ن. , خمسة عشر عاماً , "في حجز نقطة شرطة أحمد حلمي , كانت الريحة ما تطاقشِ من الوساخة اللي هناك . أول ما وصلت هناك , كان فيه وحدة ست محتجزة في الحجز , وخلّتني انظف الحجز كُلّه . كان فيه حمام صغير في الحجز وجبت الميّه منّه . ما كانشِ في حد إلاّ احنا , أنا والست الكبيرة . وتاني يوم جه بنتين وولد , وكانوا يتخانقوا ويقطّعوا هدوم بعض , بعدين جه الضابط وضربهم كلهم بأيده , ضرب جامد ."  وقالت آمال أ. , ستة عشر عاماً , "ساعات يكون في الحجز ستات وحشين بيشتمونا ويضربونا , بسّ أكتر المرّات الستات يكونوا كويسين ." 


لا تقوم الشرطة المصرية بتوفير الطعام والفراش أو العناية الطبية المنتظمة للمحتجزين في مقار احتجاز أقسام الشرطة الخاصة ببالغين , وهكذا فإمّا أن يأتي للمحتجزين زوّار ويحضرون لهم الطعام والبطانيات والأدوية , وإمّا أن يقوموا برشوة الحراس من أجل شراء هذه المواد لهم . وفي حالة الأطفال الذين يُقبض عليهم في الشوارع بتهمة كونهم "معرضين للانحراف" , فنادراً ما يزورهم أحد , ففي العادة لا يعلم أولياء أمرهم بأنهم محتجزون حتى صدور قرار بإعادتهم إلى بيوتهم , وفي بعض الحالات لا يتم إخطار أولياء الأمر على الإطلاق . وحتى لو علِم أولياء الأمر بمكان احتجاز الأطفال , فإن بعد المسافة والفقر والغضب من الأطفال أو الخوف من الشرطة , قد يمنعهم من زيارة قسم الشرطة . ووفقاً لما قاله أحد موظفي منظمة غير حكومية تعمل على لم شمل أطفال الشوارع مع عائلاتهم , "إن معاملة الشرطة لأهالي الأطفال يزيد الوضع سوءاً " , لأن الأهل الذين يُجبرون على الحضور إلى أقسام الشرطة لأخذ طفل إلى رعايتهم , عادة ما يتعرضون للشتائم وللانتظار فترات طويلة , وفي بعض الأحيان يُجبرون على دفع غرامات . "يشعر الأهل بالإهانة , ويقتصّون من الطفل بسبب ذلك" وهذا بدورة يشجع الأطفال على إعطاء الشرطة اسماء وعناوين وهمية


وعند انعدام قدوم الزوار , يكون على الأطفال ممن لا يملكون نقوداً لرشوة الحراس , أن يتسوّلوا الحصول على الطعام والأغطية من المحتجزين الجنائيين البالغين . وقالت سميرة ي. , خمسة عشر عاماً , "في قسم روض الفَرَج , الستات والبنات يكونوا موجودين في غرفة قد نُص الغرفة دي أي نصف مساحة غرفة . متر × . متر . وننام على الأرض من غير بطانيات . وما فيش أكل ؛ وبناكل من الأكل اللي يجيبوه زوار الستات التانيين ."  ووصف يوسف ح. , ستة عشر عاماً , ثلاثة أيام أمضاها في قسم شرطة عابدين قبل شهر من حديثنا معه , وقال "الكبار يكونوا مخلوطين مع الصغار في نفس الزنزانة في عابدين , أصغر عيّل كان هناك , كان عنده خمس سنين , وبعدُه كان في عيّل عنده سبع سنين ... وما فيش بطانيات ؛ ونمنا على البلاط . ساعات يكون فيه وسَع عشان الواحد يمد طوله وساعات ما مفيش . وما كنتش باخد أكل من البوليس , كنت باخد أكل من المحجوزين التانيين ." وعند سؤاله عن معاملة المحتجزين البالغين للأطفال , أنكر يوسف في البداية وجود مشاكل كبيرة , وبعد ذلك قال , "على أي حال العيال متعودين على كده ."


وبينما يتردد الأطفال في مناقشة تفاصيل علاقاتهم , مع المحتجزين البالغين الذين يزودونهم بالطعام , إلاّ ان اعتمادهم على المحتجزين الجنائيين البالغين في الحصول على المتطلبات الأساسية , من شأنه فقط أن يزيد من إمكانية تعرض الأطفال للاستغلال الجنسي في داخل الحجز , وتجنيدهم في نشاطات إجرامية بعد خروجهم . وفي دراسة مسحية لعيّنة عشوائية مكونة من  أطفال , ممن كانوا قد احتجزوا في مقار احتجاز في القاهرة الكبرى والاسكندرية والمنيا , أورد أربعة وعشرون طفلاً أنهم شهدوا حالات عنف جنسي تعرض لها أطفال صغار بينما هم محتجزون , كما قال اثنا عشر طفلاً أنهم هم أنفسهم تعرضوا لاعتداءات جنسية . وقد تكون هذه الدراسة قد أظهرت عدداً منخفضاً من حالات الإيذاء والعنف الجنسيين من قبل البالغين , لأن بعض الأطفال المشمولين في العينة , محتجزون في مؤسسات عقابية لفترات قصيرة , أو في دور الملاحظة , حيث لا يوجد محتجزين بالغين . 


أخبَرَنا بدر أ. , البالغ من العمر سبعة عشر عاما , إنه يتجنب قضاء الليل في الحجز من خلال علاقاته مع رجال الشرطة في قسم السيدة زينب , ولكنه سمع من أطفال آخرين عن العنف الجنسي من قبل البالغين هناك . وقال , "العسكري ما بيكونشِ دايماً شايف كل حاجة , وعشان كده ساعات بيحصل اغتصاب . وما حدِّش بيعمل حاجة لمنع الاغتصاب . يمكن مرّات يكون واحد عند الباب باب الزنزانة عشان يعرف انّه ما حدش يندَه على العسكري . عيل صُغيّر ما بين خمسين أو ستين واحد من الكبار - يقدر يعمل ايه ؟ العيّل اللي عنده عشرة والاّ حداشر سنة ما عندهوش أيّ فكرة يدافع عن نفسه ازاي ."