متهمون بأنهم أطفال .. اساءة معاملة الشرطة المصرية للاطفال

اعداد- هيومن رايتس ووتش 

 

تقوم الشرطة المصرية بصورة معتادة , بالقبض على الأطفال الذين تعتبرهم "معرضين للانحراف" أو "معرضين للخطر" وباحتجازهم .لا يرتكب هؤلاء الأطفال أي فعل إجرامي , وفي العديد من الحالات فإن مبرر إلقاء القبض عليهم - قيامهم بالتسول , أو عدم توفّر المأوى لهم , أو تغيّبهم عن المدرسة بغير إذن , أو إصابتهم بمرض عقلي - يُظهر أنهم بحاجة للحماية والمساعدة بدلاً من العقاب . وبدلاً من تلقّي العناية , فإنهم يتعرّضون للضرب والايذاء والعنف الجنسيين , على يد أفراد الشرطة ؛ ويُحتجزون في ظروف خطرة وغير صحية لفترات قد تصل إلى أيام أو أسابيع , وعادة ما يكون ذلك مع محتجزين جنائيين بالغين , يقومون بدورهم بالإساءة للأطفال ؛ كما يُحرمون من تلقّي مقدار كافي من الطعام والمياه والفراش والعناية الطبية .

لقد وضِعَت فئات الأطفال "المعرضين للانحراف" و "المعرضين للخطر" في قانون الطفل في مصر , ظاهرياً من أجل حماية الأطفال المعرضين لظروف صعبة , ولكنها أصبحت ذريعة لحملات جماعية , للقبض على الأطفال وإخلاء الشوارع منهم , وللحصول منهم على معلومات حول الجرائم , وإجبارهم على المغادرة إلى أحياء أخرى , وإخضاعهم لاستجوابات بالرغم من عدم وجود أي دليل على ارتكابهم لفعل إجرامي . وقد ارتفع عدد حالات إلقاء القبض على الأطفال بشدّة منذ العام 2000 , وتجاوز عدد الأطفال الذين احتجزوا بسبب هذه التهم 11.000 حالة في العام 2001 وحدة , ويشكّل هذا الرقم ربع عدد حالات احتجاز الأطفال في مصر في تلك السنة . وفي العديد من الحالات يكون الأطفال ضحايا للإساءات قبل القبض عليهم , إذ يكون بعضهم قد تعرّض للعنف في المنْزل , أو لظروف خطرة واستغلالية في العمل , أو أنهم حُرموا من التعليم لأن أسرهم لم تتمكن من تحمّل تكاليف الرسوم المدرسية والكتب والزي المدرسي .

إن غياب العمل المنظّم لإيقاف الإساءات المرتبطة بالقبض على الأطفال وحجزهم , بموجب الفئات الموضوعة في قانون الطفل , يعود جزئياً , إلى قلة الوسائل القانونية الفعالة التي يمكن للأطفال وأولياء أمورهم الالتجاء اليها . وعموماً , تأمر النيابة العامة بإطلاق سراح الأطفال , دون إجراء أي تحقيق حول إساءات الشرطة بحقهم , وبعد إجراء مراجعة خاطفة لقضاياهم . وفي العديد من الحالات , لا يعلم الأهل بأمر القبض على أطفالهم إلاّ بعد إطلاق سراح الأطفال ؛ وفي حالات أخرى تقوم الشرطة , وببساطة , بإعادة الطفل إلى الشارع .

يُفصّل هذا التقرير الانتهاكات الخطيرة التي أوجزناها أعلاه , وهو يستند إلى مقابلات أجريت مع سبعة وثلاثين طفلاً , ومع عدد كبير من المسئولين الرسميين , والخبراء بشئون رعاية الأطفال , في منطقة القاهرة الكبرى , التي تضم محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية . وتفيد المعلومات التي حصلنا عليها من منظمات غير حكومية تعمل في مدن أخرى , بأن المشكلة لا تنحصر في القاهرة , بل تتواصل في مدن أخرى . إن الانتشار الواسع , والطبيعة المنهجية لهذه الانتهاكات , يؤكّدان على الحاجة إلى إجراء عملية إصلاح , هيكلي للطريقة التي تتناول بها الحكومة المصرية قضايا الأطفال المحتاجين للحماية , أو الأطفال المخالفين للقانون .

الإيذاء والعنف الجنسيان ضد البنات

 

"العسكري بقا يقوللي ' إنتِ مرة ' وفِضل يقول لي كده . وانا فضِلت اقول له 'لأ , أنا بنت' . وامبارح قال ' إن كنتِ بنت بصحيح , اقلعي هدومك عشان نكشف عليكي .' وبعدين مسك صدري , لكن انا ضربته ."
_ وردة ن. , ستة عشر عاماً , القاهرة , مصر ,  تموز (يوليو)  .


إن الإيذاء والعنف الجنسيان من الحراس والضباط الذكور المشرفين على الأطفال , هما مشكلة خطيرة يواجهها الأطفال في كلا من مقار احتجاز البالغين في أقسام الشرطة , وفي حجز إدارة رعاية الأحداث في الأزبكية .  وكثيراً ما يستخدم أفراد الشرطة لغة فاحشة ومهينة , لإذلال الأطفال المحتجزين لديهم وإخافتهم . وخلال مقابلاتنا مع الإطفال , كانوا باستمرار يدرجون هذه الألفاظ بوصفها واحدة من شكاويهم الرئيسية , إضافة إلى الضرب من قبل الشرطة والاحتجاز التعسفي لفترات طويلة . وبينما ذكر كلا من الأولاد والبنات عن تعرضهم لأنواع محددة من الألفاظ الجارحة - أوجزتها إحدى الطفلات بِ " يشتموا دينّا وأمهاتنا وأبهاتنا" - , إلاّ أن أفراد الشرطة عادة ما يخصّون البنات اللاتي يُقبض عليهن بسبب الدعارة أو لكونهن "معرضات للانحراف" بتحرّش جنسي شديد . وأحياناً ما يكون هذا الإذلال اللفظي مقدمة لأنواع أخرى من الإيذاء الجنسي أو العنف الجنسي , إذ يتضح أن أفراد الشرطة يفترضون أن البنات اللاتي يُقبض عليهن بسبب هذه التهم , هنّ مُتاحات جنسياً , وأنهن قد أسقطن حقهن برفض الإتصال الجنسي . أمّا البنات اللاتي يُعرف بأنهن يقمن علاقات جنسية مع إفراد من الشرطة , مقابل حمايتهم من الرجال الآخرين (راجع الابتزاز من قبل الشرطة , فيما سلف) , فهن أيضاً معرّضات أكثر من غيرهن للإيذاء والعنف الجنسيين من قبل الشرطة .

 


وكما هو الحال مع الضرب الذي يقوم به أفراد الشرطة , أخبَرَنا الأطفال بأن أكثر حالات الإيذاء والعنف الجنسيين تُرتكب من قبل أفراد شرطة من ذوي الرتب المتدنية , وممن بإمكانهم الوصول إلى الأطفال بصورة منتظمة ومن غير وجود رقابة . وكثيراً ما يقوم الضباط من ذوي الرتب العالية بالتغاضي عن الإيذاء والعنف الجنسيين , والامتناع عن معاقبة مرتكبيها , كما أن البنات اللاتي يقمن برفع شكاوى بخصوص الإيذاء والعنف الجنسيين , عادة ما يواجهن الانتقام من قبل من أساء إليهن أو من قبل الضباط الأعلى رتبة . ووصفت نورا ن. , تسعة عشر عاماً , الإيذاء الجنسي الذي يحدث بصورة معتادة للبنات و النساء المحتجزات في قسم شرطة قصر النيل , من قبل إفراد الشرطة الذكور الذين يحرسون الزنازين , وقالت "فيه عساكر وحشين , بيمسكوا صدور البنات أو يقولوا حاجات وسخة . الضباط ما بيعملوش كده . فيه ضباط بيسيبوا العساكر يعملوا زي ما هُمَّ عايزين , وفيه ضباط يجازوهم ."  وأخبَرتنا سميرة ي. , خمسة عشر عاماً أن "قسم روض الفرج مشهور بوساخة العساكر هناك . بيقولوا حاجات وسخة وحاجات عيب للبنات. " وبحسب ما قالته سميرة , فإن البنات اللاتي يرفعن شكاوى , عادة ما يتعرضن للعقاب من قبل ضباط ذوي رتب عالية , أو أنهن يُحتجزن لفترات أطول . وقالت , "فيه بنات بيضحكوا معاهم علشان الشرطة تسيبهم بحالهم . وفيه بنات بيتحمّلوا وبيكتموا في قلبهم . وفي آخر مرّة تعرضنا للاحتجاز كنّا دايماً ساكتين , لأننا كنّا محجوزين بقالنا مدّة طويلة , وما كُنّاش عايزين نفضل محجوزين أكتر من كده ."  أخبَرتنا آمال أ. , ستة عشر عاماً , بأن أحد الضباط في قسم شرطة الساحل قد قام بضربها حتى انهارت على الأرض , وذلك لأنها ردت شتيمة على حراس ذوي رتب متدنية كانوا قد استخدموا ألفاظاً جنسية مهينة في شتم أمها . وقالت : "عساكر المركز بيشتمونا بأمهاتنا, وساعات بيضربونا . أنا أمي ميّتة , وعشان كده ما بخليش حد يشتمها , ولما العساكر يشتموني برُدّ عليهم وبشتمهم . وساعات يروحوا يقولوا للضابط , وساعتها يجي الضابط ويضربني . هو عمل كده مرتين - هو نفس الضابط , شتمني وخلاّني أقف وبقى يضربني بالعصاية , ولما كنت أقع على الأرض كان يوقفني تاني . ضربني على جسمي كلّه - من راسي لرجليّا ."

 


من الصعب تقدير مدى انتشار ظاهرة الإيذاء والعنف الجنسيين , من قبل أفراد الشرطة ضد البنات المحتجزات . ولكن كان من الواضح أن البنات اللاتي قابلناهن كنّا يخشين الإيذاء والعنف الجنسيين من قبل الشرطة . وأخبرتنا عدة بنات بأن الإيذاء والعنف الجنسييان , هما من الأمور الشائعة في حجز إدارة رعاية الأحداث في الأزبكية , حتى أنهن أشرنَ إلى شرطي بعينه , بوصفه معروف باغتصاب البنات , ولكنهن امتنعن عن مناقشة حالات محددة . وقالت وداد ت. , ستة عشر عاماً , "أنا سمعت عن الكابتن س في الأزبكية , سمعت أنّه بيعمل حاجات وِحشه للبنات ."  وتحدثت البنات عن حالات أخرى , حيث أنهن أو بنات أُخريات قد تجنبن التعرض للاغتصاب , فقط لأن البنات الأخريات انضممن للمساعدة في ضرب الحارس الذي كان يهاجمهن 


وبالإضافة إلى امتناع السلطات عن إجراء تحقيقات بخصوص الإيذاء والعنف الجنسييين من قبل الحراس , ومعاقبة مرتكبيها , فإن سوء تصميم المبنى وقلة عدد ضابطات الشرطة من النساء , يساهمان بشكل كبير بتعرّض البنات للإيذاء والعنف الجنسيين , على يد الحراس الذكور في حجز إدارة رعاية الأحداث في الزبكية . ووفقاً لما قاله مدير هذه المؤسسة , لا تعمل ضابطات الشرطة في المبنى بعد الساعة العاشرة ليلاً , ولا تتواجد باحثات الشرطة في المبنى إلاّ ما بين الساعة التاسعة صباحاً والواحدة والنصف من بعد الظهر  . وعندما قام باحثوا منظمة هيومان رايتس ووتش بإجراء جولة في المبني في وقت ما بعد الظهر من يوم  تموز (يوليو)  , لم يشاهدوا أي ضابطة شرطة أو حارسة أو باحثة شرطة , في أي وقت خلال جولتهم التي استغرقت ثلاث ساعات  . يقع كلا من زنزانة البنات وحمام البنات , إلى جوار مقر الحراس مباشرة , مما يسهّل من إمكانية وصول الحراس الذكور إلى إلى البنات المحتجزات , وفي كل الأوقات . وعلى البنات في حالة ذهابهن إلى الحمام أن يغادرن الزنزانة , وخلال هذا الوقت يسهل فصلهن عن حماية رفيقات الزنزانة الأخريات.

 


قامت باحثة من منظمة هيومان رايتس ووتش بإجراء مقابلات مع ثلاث من البنات الأربعة اللاتي كن محتجزات في حجز إدارة رعاية الإحداث في الأزبكية , في يوم زيارتنا للمبنى  . وقالت اثنتان من البنات أن حارساً قد قام بإيذاءهما جنسياً بعد فتره وجيزة من وصولهما للحجز ؛ وقالت البنت الثالثة انها كانت قد تعرضت للإيذاء الجنسي على يد حارس , قبيل وصولها إلى الأزبكية , وأثناء وجودها في سيارة الترحيلات التابعة للشرطة  . وتوضّح التجربة التي مرّت بها وردة ن. والتي استشهدنا فيها في مطلع هذا الفصل الفرعي من التقرير , إحدى الطرق التي يستخدم فيها الحراس في حجز الأزبكية الألفاظ الجنسية لإخافة البنات وإكراههن على الاتصال الجنسي . وأخبرتنا وردة البالغة من العمر ستة عشر عاماً أنها تركت منْزل عائلتها قبل حوالي سنة ونصف , بعد أن حاولت زوجة أبيها أن تجبرها على العمل كعاهرة . ومنذ هربها تعرضت للاغتصاب مرتين . وكان قد قُبض على وردة في إحدى مدن القناة , وذلك عندما التجأت للشرطة من أجل حمايتها من مجموعة من الأولاد كانوا يلاحقونها . وقالت "سلّمت نفسي لأنّي كنت خايفة من الأولاد , بس العساكر ما صدقونيش , وقالوا عني شرموطة ." وكما أشرنا أعلاه , يقوم أحد الحراس بالإساءة إليها لفظياً , وبصورة مستمرة تقريباً , منذ وصولها إلى الأزبكية , كما أنه قد هاجمها جسدياً في إحدى المرات  


أخبَرَتنا هاله س. , خمسة عشر عاماً , أن الشرطة قبضت عليها في اليوم السابق , وذلك على أثر شجارها مع مجموعة من الأولاد , وقد أخبروا الشرطة فيما بعد أنها سرقت منهم  جنيه (. دولار) . وكما حصل لوردة , فحالما وصلت أخذ الحراس بالتحرّش بها مستخدمين ألفاظاً جنسية . وقالت "العساكر هنا بيشتمونا بكلام وسخ . يقولولنا 'شراميط' , وحاجات زي كده" . وأخبرت هاله منظمة هيومان رايتس ووتش أن حارساً حاول اغتصابها في الزنزانة في أول ليلة تمضيها في الأزبكية , "بسّ احنا ضربناه , فقام هوّ ضربنا وخرج" . وأخبرتها بنت أخرى عن اعتداء مماثل حصل في الليلة السابقة لوصولها , وكانت هي والبنات الأخريات يخشين من تعرضهن للاعتداء من جديد . وكإجراء احترازي , لا تغادر البنات الزنزانة ليلاً من أجل الذهاب إلى الحمام المجاور , حتى وإن كان ذلك يعني انه "ساعات بنعملها على روحنا , بدال من نطلع في الليل " . وتوقعت هاله أن تقضي ثلاث ليال أخرى في حجز إدارة رعاية الأحداث في الأزبكية , قبل أن تُرحّل إلى محافظتها الأصلية  .

الابتزاز من جانب رجال الشرطة

 

يجي العسكري يقول , 'إدّيني بطاقتك' , واقولّه ' أنا عمري خمستاشر سنة أي دون السن القانوني للحصول على بطاقة هوية ' . وبعد كده يضربني . ولمّا يكون معايا فلوس , أدّي المخبر  جنيه  , فيروح يقول للعسكري يسبني . بيحصل كِتير , وآخر مرّة حصلت معايا كان أول امبارح ."
_ ناصر ي. خمسة عشر عاماً , القاهرة , مصر ,  تموز (يوليو

  
أخبَر الأولاد والبنات منظمة هيومان رايتس ووتش , بأن أفراد الشرطة عادة ما يبتزون النقود منهم في مقابل تجنّب القبض عليهم , أو لضمان إطلاق سراحهم سريعاً , أو للحصول على طعام أثناء احتجازهم . وقالت بعض الفتيات أنهن يوافقن أحياناً على ممارسة الجنس مع أفراد الشرطة من ذوي الرتب المتدنية , مقابل قيامهم بحمايتهن من العنف الجنسي من قبل أولاد ورجال آخرين . كما أعلمنا بعض ضباط الشرطة بأنهم مقتنعون بأن أطفال الشوارع يكسبون قدراً كبيراً من النقود من خلال التسوّل وبيع الأشياء الصغيرة , ومن الممكن أن هذا الأمر بدورة يساهم بقيام أفراد الشرطة باستهداف الأطفال من أجل الابتزاز خلال القبض عليهم واحتجازهم 


أخبرنا الأطفال أن ضباط الشرطة عادة ما يستوقفوهم بحجة السؤال عن هوياتهم , ثم سرعان ما يطلقونهم حالما يوافقون على دفع رشوة . وما تجربة ناصر ي. الواردة أعلاه إلاّ نموذجاً للروايات التي سمعناها . "كنت بحيّ المنيل مع تلات عيال تانيين , وكان هناك ضابط شرطة ومأمور القسم واتنين عساكر . كنّا بنعّدي كوبري الجامعة وكانوا مستنيين بالناحية التانية , وسألونا عن بطاقاتنا , بس احنا كنّا كلنا صُغيّرين وممعناش بطاقات . وقعدوا يضربونا ويقولوا لنا نعمل بطاقات . بعد كده خدني الضابط على جنب , وادّيته  جنيه , وبعدين سابونا"  .
وقالت فريدة ن. , ثمانية عشر عاماً , أنها تعمل مع مجموعة من البنات والأولاد الأصغر سناً , ويكسبون مقداراً جيداً من النقود , من خلال بيع المناديل الورقية على الكورنيش , وهي منطقة ترفيهية مزدحمة بالمشاة والسيارات , ولكن الكثير مما تكسبه يذهب إلى رشوة الشرطة . وقالت , "الكورنيش صعب , الحكومة دايماً بتسأل عن البطاقات , وشرطة البلدية يجوا مرتين بالأسبوع وياخدوا  جنيه  من كل واحد مننا عشان يسيبونا نشتغل . وإذا ما دفعناش للشرطة , الراجل إللي مشغلنا ما يخليناش نشتغل هناك . في يوم عادي انا بكسب حوالي  جنيه أو  جنيه 


في حالات أخرى , يقوم أفراد من الشرطة وببساطة بسرقة نقود الأطفال المحتجزين لديهم , واثقين من أنهم لن يتعرضوا لأي مُسائلة . ووصف زياد ن. , أربعة عشر عاماً , كيف قام أحد ضباط الشرطة بسرقة نقوده أثناء حملة للقبض على الأطفال , جرت قبل أسبوعين من ذلك , "لمّا يكون فيه حملة ، الشرطة بتيجي بميكروباص أو في 'بوكس' ... وفي 'البوكس' قام ضابط وخد فلوسي - كان معايا  جنيه _ وقال لي 'انت حتصرفها ' وما رضيش يرجعهالي

 


ومثل العديد من الأطفال الذين تحدّثت إليهم منظمة هيومان رايتس ووتش , يعتقد زياد ن. بأن الشرطة تعاقب الأطفال الذين لم يتمكنوا من دفع رشاوي , بأن تحتجزهم لمدة أطول , مقارنة بالأطفال الآخرين . وقال ناصر ي. "في القسم أمين الشرطة منصب متوسط الرتبة لمساعدة الضباط الأعلى رتبة ياخد فلوسك بالعافية . ياخدوا فلوسك وبعدين يسيبوك تمشي . وان اذا ما معكش فلوس , يخلّوك بالحجز فترة , وبعدين يمشّوك . وهم يمشّوا العيال الصغيرين على طول , بعد  أو  أيام"  . وقال ناصر ي. "إذا دفعت من  جنيه لِ  جنيه  للعساكر بالأزبكية حجز للأحداث يمشّوك , بس لو ما دفعتش , يقعدوك فترة طويلة هناك "  .

قال الأطفال الأصغر سناً أن حظهم أوفر بأنهم عادة يُطلق سراحهم دون دفع رشوة . ووصف ثابت أ. , عشرة سنوات , حادثة القبض عليه , التي جرت قبل بضعة أشهر في فصل الشتاء , وقال "خدوني لقسم السيدة زينب , وما سابونيش هناك ؛ هُمَّ بس رجعوني الشارع من غير ما يقولوا أي حاجة . كنت عاوز أدّيهُم  جنيه  عشان يمشّوني , بس الضابط قال 'خلّيهم في جيبك وامشي' وبعدين إداني علقه ومشاني"  .

يتعرض الأولاد والبنات لخطر الإيذاء والعنف الجنسيين وهم محتجزين لدى الشرطة , وتواجه البنات والنساء اللاتي يعشن في الشارع ضغطاُ إضافياً للدخول في علاقات جنسية مع أفراد من الشرطة , حتى حينما لا يكنَّ محتجزات  . وتحدثت عدة فتيات ونساء ممن قابلناهن , بأنهنّ قد دخلن في علاقات مع أفراد الشرطة الذين يحرسون الحدائق العامة والأماكن العامة الأخرى , إذ أنهن يعتمدن على أفراد الشرطة في توفير الحماية لهن من التعرض للعنف الجنسي من قبل رجال وأولاد آخرين . وقالت نوال أ. , تسعة عشر عاماً , "إحنا نصاحب العساكر عشان يعاملونا كويّس , وياخدوا بالهم مننا لمّا نكون نايمين في الجنينة , وعشان يخرجونا بسرعة لو اتقبض علينا

 


أمّا الفتيات غير المستعدات للسعي نحو "حماية الشرطة" من هذه الشاكلة , فيمكن أن يجدن أنفسهن في مواجهة أشكال أخرى من الاستغلال , من أجل ضمان مكان آمن للنوم . أخبرتنا إلهام ن. , وهي هاربة من أهلها , وتبلغ من العمر خمسة عشر عاماً , أنها احتملت أوضاع مُسيئة بالعمل كخادمة في منْزل بدلاً من أن تعيش في الشارع . "ما كنتش عايزه أعمل الحاجات الوسخة إللي بتعملها البنات التانيين الموجودين هنا في مركز غير حكومي لأطفال الشوارع , وعشان كده دوّرت على شغل . لكن هو صعب حد يلاقي شغل . مش عاوزه أبقى زي البنات الباقيين إللي بيصاحبوا العساكر والصبيان , عشان هُمَّ ممكن يخلوني أعمل حاجة أنا مش عاوزه اعملها , حاجة وسخة يعني . وبعدين لمّا اتجوز , ممكن أكون ماشية مع جوزي وممكن عسكري يوقفني , أو شاب يسلّم عليّا , وساعتها أنا اعمل ايه ؟ أحسن للوحدة تبقى في حالها . أنا بصاحب البنات , والبنات بس . وأي بنت بتعمل الحاجات الوسخة دي , ما بقربلهاش"  .

الاتجاز مع محتجزين جنائيين بالغين

 

كنت في قسم شرطة الجيزة لمدة أسبوع قبل ما يبعتوني الأزبكية . وفي قسم الجيزة كنا مع حرامية , ضربونا وخلّونا نقعد بالحمام . الزنزانة كانت كبيرة قوي , وكان فيها كبار وصغار . أصغر عيل كان هناك عنده تسع سنين , اسمه سليمان . كان الكبار يضربونا ويقولوا لنا ' ورا , ورا ' , ويخلونا نقعد في الحمّام . كان فيه تلات حمامات , كلّهم مليانين بالميّة والقرف . خلونا نقعد هناك . "
_ أنور ر. , خمسة عشر عاماً , القاهرة , مصر ,  تموز 


إن احتجاز الأطفال مع بالغين من غير أقاربهم يضعهم في خطر كبير لأن يتعرضوا إلى الإيذاء , كما أنه محظور بموجب اتفاقية حقوق الطفل وبموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية  . ومع ذلك , كان خمسة عشر طفلاً من الأطفال الخمسة وثلاثين الذين قابلتهم منظمة هيومان رايتس ووتش , وممن قُبض عليهم في السابق , قد احتجزوا مع محتجزين جنائيين بالغين لمرة واحدة على الأقل . وأورد أولئك الأطفال أنهم احتجزوا مع بالغين ليسوا من أقاربهم , في مقار احتجاز أقسام الشرطة المخصصة للبالغين , ولفترات تراوحت ما بين يوم واحد إلى

ثلاثة أيام , وتمتد أحياناً لمدة أسبوعين . كما أوردت البنات عن احتجازهن مع نساء محتجزات بالغات , بينما كان من المعتاد حجز الأولاد مع رجال  .
كان الأطفال الذين أجرت معهم منظمة هيومان رايتس ووتش مقابلات , قد احتجزوا في واحد أو أكثر من إثني عشر من أقسام الشرطة الخاصة بالبالغين في منطقة القاهرة الكبرى  . وتحدثوا عن زنازين كبيرة ومزدحمة وغير صحية , الإشراف عليها قليل ويشيع فيها العنف . وكان الوصف الذي قدمه ياسر أ. , أربعة عشر عاماً , نموذجاً لتجارب العديد من الأطفال , إذ يقول " آخِر مرة اتقبض عليّ فيها , كانت الشهر اللي فات . العساكر مسكوني مع عيلين تانيين , بسّ لما رحنا للقسم كان فيه عيال كتير . وفضِلت هناك حوالي أسبوع . كنّا في قسم السيدة زينب . وانا كنت في زنزانة كبيرة قوي , كان فيها ناس كتير كبار وصغار ... وكان فيه اتنين كبار اتخانقوا وتعوّروا , واحد منهم اتعوّر في رقبته , والتاني اتعوّر بسكينة في كتفه . العساكر ما عملوش أي حاجة ."  ووصف طارق أ. , ستة عشر عاماً , حادثة احتجازه في الحجز المخصص للبالغين في قسم شرطة الأزبكية , قبل شهرين , وقال "كنت في زنزانة كبيرة , تيجي قد تلات غرف , وكان معايا واحد صاحبي . وكان فيه معانا عيال اكبر مننا وعيال اصغر مننا , واصغر واحد فيهم كان عنده عشر سنين . وكان معانا كبار برضُه , وكانوا يضربونا , وانا اتضربت كتير . فِضلنا هناك حوالي خمس أيام , وبعدين روحوني البيت ."


عادة ما تكون مقار احتجاز النساء والبنات في أقسام الشرطة , أصغر من مقار احتجاز الرجال والأولاد , ولكنها جميعاً تشترك بمشاكل الازدحام والأوضاع غير الصحية , وقلة الأشراف والعنف . وقالت إلهام ن. , خمسة عشر عاماً , "في حجز نقطة شرطة أحمد حلمي , كانت الريحة ما تطاقشِ من الوساخة اللي هناك . أول ما وصلت هناك , كان فيه وحدة ست محتجزة في الحجز , وخلّتني انظف الحجز كُلّه . كان فيه حمام صغير في الحجز وجبت الميّه منّه . ما كانشِ في حد إلاّ احنا , أنا والست الكبيرة . وتاني يوم جه بنتين وولد , وكانوا يتخانقوا ويقطّعوا هدوم بعض , بعدين جه الضابط وضربهم كلهم بأيده , ضرب جامد ."  وقالت آمال أ. , ستة عشر عاماً , "ساعات يكون في الحجز ستات وحشين بيشتمونا ويضربونا , بسّ أكتر المرّات الستات يكونوا كويسين ."


لا تقوم الشرطة المصرية بتوفير الطعام والفراش أو العناية الطبية المنتظمة للمحتجزين في مقار احتجاز أقسام الشرطة الخاصة ببالغين , وهكذا فإمّا أن يأتي للمحتجزين زوّار ويحضرون لهم الطعام والبطانيات والأدوية , وإمّا أن يقوموا برشوة الحراس من أجل شراء هذه المواد لهم . وفي حالة الأطفال الذين يُقبض عليهم في الشوارع بتهمة كونهم "معرضين للانحراف" , فنادراً ما يزورهم أحد , ففي العادة لا يعلم أولياء أمرهم بأنهم محتجزون حتى صدور قرار بإعادتهم إلى بيوتهم , وفي بعض الحالات لا يتم إخطار أولياء الأمر على الإطلاق . وحتى لو علِم أولياء الأمر بمكان احتجاز الأطفال , فإن بعد المسافة والفقر والغضب من الأطفال أو الخوف من الشرطة , قد يمنعهم من زيارة قسم الشرطة . ووفقاً لما قاله أحد موظفي منظمة غير حكومية تعمل على لم شمل أطفال الشوارع مع عائلاتهم , "إن معاملة الشرطة لأهالي الأطفال يزيد الوضع سوءاً " , لأن الأهل الذين يُجبرون على الحضور إلى أقسام الشرطة لأخذ طفل إلى رعايتهم , عادة ما يتعرضون للشتائم وللانتظار فترات طويلة , وفي بعض الأحيان يُجبرون على دفع غرامات . "يشعر الأهل بالإهانة , ويقتصّون من الطفل بسبب ذلك" وهذا بدورة يشجع الأطفال على إعطاء الشرطة اسماء وعناوين وهمية


وعند انعدام قدوم الزوار , يكون على الأطفال ممن لا يملكون نقوداً لرشوة الحراس , أن يتسوّلوا الحصول على الطعام والأغطية من المحتجزين الجنائيين البالغين . وقالت سميرة ي. , خمسة عشر عاماً , "في قسم روض الفَرَج , الستات والبنات يكونوا موجودين في غرفة قد نُص الغرفة دي أي نصف مساحة غرفة . متر × . متر . وننام على الأرض من غير بطانيات . وما فيش أكل ؛ وبناكل من الأكل اللي يجيبوه زوار الستات التانيين ."  ووصف يوسف ح. , ستة عشر عاماً , ثلاثة أيام أمضاها في قسم شرطة عابدين قبل شهر من حديثنا معه , وقال "الكبار يكونوا مخلوطين مع الصغار في نفس الزنزانة في عابدين , أصغر عيّل كان هناك , كان عنده خمس سنين , وبعدُه كان في عيّل عنده سبع سنين ... وما فيش بطانيات ؛ ونمنا على البلاط . ساعات يكون فيه وسَع عشان الواحد يمد طوله وساعات ما مفيش . وما كنتش باخد أكل من البوليس , كنت باخد أكل من المحجوزين التانيين ." وعند سؤاله عن معاملة المحتجزين البالغين للأطفال , أنكر يوسف في البداية وجود مشاكل كبيرة , وبعد ذلك قال , "على أي حال العيال متعودين على كده .


وبينما يتردد الأطفال في مناقشة تفاصيل علاقاتهم , مع المحتجزين البالغين الذين يزودونهم بالطعام , إلاّ ان اعتمادهم على المحتجزين الجنائيين البالغين في الحصول على المتطلبات الأساسية , من شأنه فقط أن يزيد من إمكانية تعرض الأطفال للاستغلال الجنسي في داخل الحجز , وتجنيدهم في نشاطات إجرامية بعد خروجهم . وفي دراسة مسحية لعيّنة عشوائية مكونة من  أطفال , ممن كانوا قد احتجزوا في مقار احتجاز في القاهرة الكبرى والاسكندرية والمنيا , أورد أربعة وعشرون طفلاً أنهم شهدوا حالات عنف جنسي تعرض لها أطفال صغار بينما هم محتجزون , كما قال اثنا عشر طفلاً أنهم هم أنفسهم تعرضوا لاعتداءات جنسية . وقد تكون هذه الدراسة قد أظهرت عدداً منخفضاً من حالات الإيذاء والعنف الجنسيين من قبل البالغين , لأن بعض الأطفال المشمولين في العينة , محتجزون في مؤسسات عقابية لفترات قصيرة , أو في دور الملاحظة , حيث لا يوجد محتجزين بالغين


أخبَرَنا بدر أ. , البالغ من العمر سبعة عشر عاما , إنه يتجنب قضاء الليل في الحجز من خلال علاقاته مع رجال الشرطة في قسم السيدة زينب , ولكنه سمع من أطفال آخرين عن العنف الجنسي من قبل البالغين هناك . وقال , "العسكري ما بيكونشِ دايماً شايف كل حاجة , وعشان كده ساعات بيحصل اغتصاب . وما حدِّش بيعمل حاجة لمنع الاغتصاب . يمكن مرّات يكون واحد عند الباب باب الزنزانة عشان يعرف انّه ما حدش يندَه على العسكري . عيل صُغيّر ما بين خمسين أو ستين واحد من الكبار - يقدر يعمل ايه ؟ العيّل اللي عنده عشرة والاّ حداشر سنة ما عندهوش أيّ فكرة يدافع عن نفسه ازاي ." 

الاحتجاز بدون اذن النيابة العامة

 

 

يتطلب القانون المصري مثول أي شخص يقبض عليه , أمام النيابة العامة خلال أربعة وعشرين ساعة من القبض عليه .  وفي حالة القبض على أطفال , على الشرطة تقديم بحث اجتماعي عن حالة الطفل للنيابة العامة بالإضافة إلى محضر تحريّ الشرطة .  وتهدف هذه المتطلبات إلى منع القبض والاحتجاز التعسفيين , ولضمان حصول النيابة العامة على معلومات كافية عن الطفل , حتى تتمكن من اتخاذ قرار يراعي المصالح الفضلى للطفل . وقال الأطفال الذين قابلناهم أن الشرطة عادة ما تحتجزهم لفترات أطول من أربعة وعشرين ساعة , ومن دون عرضهم على النيابة العامة . وفي بعض الحالات التي تقصّيناها , احتجزت الشرطة الأطفال إلى ما يصل إلى إسبوعين , ومن دون عرضهم على النيابة العامة على الأطلاق .


      وكان الوصف الذي قدمه ناصر ي. , لما جرى عندما قُبض عليه نموذجاً للعديد من الحالات التي وصفها العديد من الأطفال . وقال , "كنت في ميدان رمسيس , وجا مخبر اسمه ص مسكني انا وعيال كتير تانيين , وربطنا كلنا مع بعض بحبل ... وفضلت تلات أيام في الأزبكية , وما رحتش النيابة . وبعدين حطونا بقطر للصعيد . فضلت مع أهلي يومين وبعدين ركبت القطر ورجعت تاني ."  ألقت الشرطة القبض على ياسر إ. البالغ من العمر أربعة عشر عاماً أثناء حملة قبض 00 وبينما كان يعمل لدى بائع فاكهة . وتم احتجازه في قسم الأزبكية لمدة إسبوع تقريباً . وقال , "كان فيه واحد بيسأل أسئلة وبيكتب حاجات على ورق , بسّ ما اعرفش ليه ، والاسئلة كانت عن السن والاسم ، حاجات كده ، مبيقولش ليه . وبعدين سابوني أمشي , وما رحتش أي مكان برّا القسم ."  أمّا ريم ج. , سبعة عشر عاماً , فقد احتجزت في حجز الأحداث في الأزبكية مع طفلها البالغ من العمر ثمانية أشهر , ولمدة خمسة عشر يوماً في بدايات العام 00 , وكان ذلك على ما يبدوا , من أجل الضغط عليها من أجل أن تدلي بشهادة في قضية قتل . وقالت , "ما رحتش النيابة أو المديرية , ولو رحت كنت حاشتكي لوكيل النيابة . هُمّا سابوني هناك وكانوا بيضربوني لمّا كنت باحاول اشتكي , وفي الآخر قالولي 'أمشي' وسابوني أروّح ."  وأخبَرَنا محامون وباحثون اجتماعيون وخبراء آخرون , بأن بعض أفراد الشرطة يستخدمون هذا النوع من الاحتجاز غير القانوني ضد الأطفال الذين تعتقد الشرطة بأنهم تلقّوا معاملة هيّنة في النيابة العامة . وقال أحد الخبراء من إحدى المنظمات غير الحكومية التي تقدم الخدمات لأطفال الشوارع , "عندما يكون الطفل ممن قُبض عليه مرات متعددة , فمن الممكن ألاّ ترسله الشرطة للنيابة العامة , ولكنها بدلاً من ذلك تبقيه في الحجز لفترة , ومن ثم تطلق سراحه ." 


ويتطلب القانون من وكلاء النيابة القيام بزيارات منتظمة لكافة أماكن الاحتجاز .  وأخبرنا المستشار محمد الجندي , وهو نائب عام سابق ويعود له الفضل في صياغة قانون الطفل , "إن النيابة العامة للأحداث مسئولة عن الإشراف على كافة أماكن الاحتجاز , ومن ضمنها أقسام الشرطة . والمشكلة هي أن على النائب العام طلب تقارير منتظمة عن أقسام الشرطة والسجون , وكافة المؤسسات الأخرى التي يُحتجز فيها الأطفال . عندما كنت أنا نائباً عاماً , كنت أطلب مثل هذه التقارير , ولكن ذلك لا يحدث الآن ." 0 ولدى سؤال وكلاء النيابة في النيابة العامة للأحداث في القاهرة , عن آخر زيارة قاموا بها لحجز إدارة رعاية الأحداث في الأزبكية , أجابوا بأنهم لم يقوموا أبداً بالتفتيش على ذلك الحجز , أو بزيارة أقسام الشرطة الأخرى للتفتيش على أوضاع احتجاز الأطفال , وقالوا بأن القاعدة المتّبعة هي عدم إجراء التفتيش على أي مركز حجز للأطفال . وقال أحد وكلاء النيابة "مين عنده وقت ؟ أنا حضيّع النهار كُلّه رايح جاي ."

      إن الأطفال الذين يحتجزون من غير إذن النيابة العامة , يحرمون من آليّة مهمة تهدف إلى تقليل القبض والاحتجاز التعسّفيين إلى الحد الأدنى , وإلى منح المحتجزين فرصة لرفع الشكاوى بشأن إساءة المعاملة التي يتعرضون لها أثناء وجودهم لدى الشرطة . كما أنهم يخسرون بذلك التدابير القليلة الموضوعة لحمايتهم , والتي ينص عليها قانون الطفل للأطفال "المعرضين للانحراف" و "المعرضين للخطر" , إذ أن هذه التدابير يجب أن تتم بأمر من النيابة العامة , أو المحكمة بعد أن تحيل النيابة الطفل إلى المحكمة .

الاحتجاز مع جنائيين بالغين

 

"كنت في قسم شرطة الجيزة لمدة أسبوع قبل ما يبعتوني الأزبكية . وفي قسم الجيزة كنا مع حرامية , ضربونا وخلّونا نقعد بالحمام . الزنزانة كانت كبيرة قوي , وكان فيها كبار وصغار . أصغر عيل كان هناك عنده تسع سنين , اسمه سليمان . كان الكبار يضربونا ويقولوا لنا ' ورا , ورا ' , ويخلونا نقعد في الحمّام . كان فيه تلات حمامات , كلّهم مليانين بالميّة والقرف . خلونا نقعد هناك . "

_ أنور ر. , خمسة عشر عاماً , القاهرة , مصر ,  تموز 


إن احتجاز الأطفال مع بالغين من غير أقاربهم يضعهم في خطر كبير لأن يتعرضوا إلى الإيذاء , كما أنه محظور بموجب اتفاقية حقوق الطفل وبموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية  . ومع ذلك , كان خمسة عشر طفلاً من الأطفال الخمسة وثلاثين الذين قابلتهم منظمة هيومان رايتس ووتش , وممن قُبض عليهم في السابق , قد احتجزوا مع محتجزين جنائيين بالغين لمرة واحدة على الأقل . وأورد أولئك الأطفال أنهم احتجزوا مع بالغين ليسوا من أقاربهم , في مقار احتجاز أقسام الشرطة المخصصة للبالغين , ولفترات تراوحت ما بين يوم واحد إلى ثلاثة أيام , وتمتد أحياناً لمدة أسبوعين . كما أوردت البنات عن احتجازهن مع نساء محتجزات بالغات , بينما كان من المعتاد حجز الأولاد مع رجال  . كان الأطفال الذين أجرت معهم منظمة هيومان رايتس ووتش مقابلات , قد احتجزوا في واحد أو أكثر من إثني عشر من أقسام الشرطة الخاصة بالبالغين في منطقة القاهرة الكبرى  . وتحدثوا عن زنازين كبيرة ومزدحمة وغير صحية , الإشراف عليها قليل ويشيع فيها العنف


. وكان الوصف الذي قدمه ياسر أ. , أربعة عشر عاماً , نموذجاً لتجارب العديد من الأطفال , إذ يقول " آخِر مرة اتقبض عليّ فيها , كانت الشهر اللي فات . العساكر مسكوني مع عيلين تانيين , بسّ لما رحنا للقسم كان فيه عيال كتير . وفضِلت هناك حوالي أسبوع . كنّا في قسم السيدة زينب . وانا كنت في زنزانة كبيرة قوي , كان فيها ناس كتير كبار وصغار ... وكان فيه اتنين كبار اتخانقوا وتعوّروا , واحد منهم اتعوّر في رقبته , والتاني اتعوّر بسكينة في كتفه . العساكر ما عملوش أي حاجة ."  ووصف طارق أ. , ستة عشر عاماً , حادثة احتجازه في الحجز المخصص للبالغين في قسم شرطة الأزبكية , قبل شهرين , وقال "كنت في زنزانة كبيرة , تيجي قد تلات غرف , وكان معايا واحد صاحبي . وكان فيه معانا عيال اكبر مننا وعيال اصغر مننا , واصغر واحد فيهم كان عنده عشر سنين . وكان معانا كبار برضُه , وكانوا يضربونا , وانا اتضربت كتير . فِضلنا هناك حوالي خمس أيام , وبعدين روحوني البيت ."


عادة ما تكون مقار احتجاز النساء والبنات في أقسام الشرطة , أصغر من مقار احتجاز الرجال والأولاد , ولكنها جميعاً تشترك بمشاكل الازدحام والأوضاع غير الصحية , وقلة الأشراف والعنف . وقالت إلهام ن. , خمسة عشر عاماً , "في حجز نقطة شرطة أحمد حلمي , كانت الريحة ما تطاقشِ من الوساخة اللي هناك . أول ما وصلت هناك , كان فيه وحدة ست محتجزة في الحجز , وخلّتني انظف الحجز كُلّه . كان فيه حمام صغير في الحجز وجبت الميّه منّه . ما كانشِ في حد إلاّ احنا , أنا والست الكبيرة . وتاني يوم جه بنتين وولد , وكانوا يتخانقوا ويقطّعوا هدوم بعض , بعدين جه الضابط وضربهم كلهم بأيده , ضرب جامد ."  وقالت آمال أ. , ستة عشر عاماً , "ساعات يكون في الحجز ستات وحشين بيشتمونا ويضربونا , بسّ أكتر المرّات الستات يكونوا كويسين ." 


لا تقوم الشرطة المصرية بتوفير الطعام والفراش أو العناية الطبية المنتظمة للمحتجزين في مقار احتجاز أقسام الشرطة الخاصة ببالغين , وهكذا فإمّا أن يأتي للمحتجزين زوّار ويحضرون لهم الطعام والبطانيات والأدوية , وإمّا أن يقوموا برشوة الحراس من أجل شراء هذه المواد لهم . وفي حالة الأطفال الذين يُقبض عليهم في الشوارع بتهمة كونهم "معرضين للانحراف" , فنادراً ما يزورهم أحد , ففي العادة لا يعلم أولياء أمرهم بأنهم محتجزون حتى صدور قرار بإعادتهم إلى بيوتهم , وفي بعض الحالات لا يتم إخطار أولياء الأمر على الإطلاق . وحتى لو علِم أولياء الأمر بمكان احتجاز الأطفال , فإن بعد المسافة والفقر والغضب من الأطفال أو الخوف من الشرطة , قد يمنعهم من زيارة قسم الشرطة . ووفقاً لما قاله أحد موظفي منظمة غير حكومية تعمل على لم شمل أطفال الشوارع مع عائلاتهم , "إن معاملة الشرطة لأهالي الأطفال يزيد الوضع سوءاً " , لأن الأهل الذين يُجبرون على الحضور إلى أقسام الشرطة لأخذ طفل إلى رعايتهم , عادة ما يتعرضون للشتائم وللانتظار فترات طويلة , وفي بعض الأحيان يُجبرون على دفع غرامات . "يشعر الأهل بالإهانة , ويقتصّون من الطفل بسبب ذلك" وهذا بدورة يشجع الأطفال على إعطاء الشرطة اسماء وعناوين وهمية


وعند انعدام قدوم الزوار , يكون على الأطفال ممن لا يملكون نقوداً لرشوة الحراس , أن يتسوّلوا الحصول على الطعام والأغطية من المحتجزين الجنائيين البالغين . وقالت سميرة ي. , خمسة عشر عاماً , "في قسم روض الفَرَج , الستات والبنات يكونوا موجودين في غرفة قد نُص الغرفة دي أي نصف مساحة غرفة . متر × . متر . وننام على الأرض من غير بطانيات . وما فيش أكل ؛ وبناكل من الأكل اللي يجيبوه زوار الستات التانيين ."  ووصف يوسف ح. , ستة عشر عاماً , ثلاثة أيام أمضاها في قسم شرطة عابدين قبل شهر من حديثنا معه , وقال "الكبار يكونوا مخلوطين مع الصغار في نفس الزنزانة في عابدين , أصغر عيّل كان هناك , كان عنده خمس سنين , وبعدُه كان في عيّل عنده سبع سنين ... وما فيش بطانيات ؛ ونمنا على البلاط . ساعات يكون فيه وسَع عشان الواحد يمد طوله وساعات ما مفيش . وما كنتش باخد أكل من البوليس , كنت باخد أكل من المحجوزين التانيين ." وعند سؤاله عن معاملة المحتجزين البالغين للأطفال , أنكر يوسف في البداية وجود مشاكل كبيرة , وبعد ذلك قال , "على أي حال العيال متعودين على كده ."


وبينما يتردد الأطفال في مناقشة تفاصيل علاقاتهم , مع المحتجزين البالغين الذين يزودونهم بالطعام , إلاّ ان اعتمادهم على المحتجزين الجنائيين البالغين في الحصول على المتطلبات الأساسية , من شأنه فقط أن يزيد من إمكانية تعرض الأطفال للاستغلال الجنسي في داخل الحجز , وتجنيدهم في نشاطات إجرامية بعد خروجهم . وفي دراسة مسحية لعيّنة عشوائية مكونة من  أطفال , ممن كانوا قد احتجزوا في مقار احتجاز في القاهرة الكبرى والاسكندرية والمنيا , أورد أربعة وعشرون طفلاً أنهم شهدوا حالات عنف جنسي تعرض لها أطفال صغار بينما هم محتجزون , كما قال اثنا عشر طفلاً أنهم هم أنفسهم تعرضوا لاعتداءات جنسية . وقد تكون هذه الدراسة قد أظهرت عدداً منخفضاً من حالات الإيذاء والعنف الجنسيين من قبل البالغين , لأن بعض الأطفال المشمولين في العينة , محتجزون في مؤسسات عقابية لفترات قصيرة , أو في دور الملاحظة , حيث لا يوجد محتجزين بالغين . 


أخبَرَنا بدر أ. , البالغ من العمر سبعة عشر عاما , إنه يتجنب قضاء الليل في الحجز من خلال علاقاته مع رجال الشرطة في قسم السيدة زينب , ولكنه سمع من أطفال آخرين عن العنف الجنسي من قبل البالغين هناك . وقال , "العسكري ما بيكونشِ دايماً شايف كل حاجة , وعشان كده ساعات بيحصل اغتصاب . وما حدِّش بيعمل حاجة لمنع الاغتصاب . يمكن مرّات يكون واحد عند الباب باب الزنزانة عشان يعرف انّه ما حدش يندَه على العسكري . عيل صُغيّر ما بين خمسين أو ستين واحد من الكبار - يقدر يعمل ايه ؟ العيّل اللي عنده عشرة والاّ حداشر سنة ما عندهوش أيّ فكرة يدافع عن نفسه ازاي ."

الاطفال العاملون

 

 

يحظُر القانون المصري تشغيل الأطفال قبل بلوغهم أربع عشرة سنة ميلادية كاملة  . ولكن لم يُبذَل إلاّ القليل من الجهد لفرض هذا القانون . وفي العام 1997 , قدّرت دراسة مسحيّة على المستوى القومي ، أن هناك ما يقارت 1.7 مليون طفل مصري تتراوح أعمارهم ما بين ستة أعوام وأربعة عشر عاماً , يعملون في أعمال بأجر أو من غير أجر] . وفي أثناء المقابلات التي أجريناها , وجدنا دليلاً قوياً على وجود رابطة ما بين عمل الأطفال , ووجود أزمة لدى الأُسر , واحتمالية تعرّض الطفل للاحتجاز بتهمة "التعرّض للانحراف" . إن العمل في سن مبكّرة , عادة ما يزيد من الوقت الذي يمضيه الأطفال من غير أن يكونوا تحت المراقبة , وخصوصاً عندما يكون مكان عمل الطفل هو الشارع . ومن الأكثر احتمالاً كذلك , أن تقوم الأسر الفقيرة بإرسال الأطفال للعمل في سن مبكّرة . ومن الأقل احتمالاً أن تمتلك الأسر الفقيرة المصادر الضرورية لتوفير البيئة الملائمة لتنشئة الأطفال . وأخيراً , من الممكن أن ينمو لدى الأطفال العاملين شعور زائف بمقدرتهم على إعالة أنفسهم , مما قد يشجعهم على المخاطرة بترك البيئة العائلية التي يعتبرونها غير مُرضية

.
أخبر أيمن م. , البالغ من العمر تسع سنوات , منظمة هيومان رايتس ووتش , أنه كان يعمل كمساعد ميكانيكي قبل أن يقرر مغادرة منْزله في الاسكندرية , في بدايات شهر حزيران (يونيو) 2002 . وقال , "شفت برامج بالتلفزيون عن حاجات حلوة بالقاهرة , كايرولاند [مدينة ملاهي] , ألعاب , سمك بينط من الميّه ... كنت عايش مع أمي وجوزها , بس هوَّ كان بيضربني" . في النهاية , وجدت منظمة غير حكومية عاملة في القاهرة , عائلة الطفل , وسَعت لترتيب أمر عودته , ولكن أيمن فضّل البقاء في القاهرة . وقال , "أمي قالت أنه ما يهمهاش لو فِضِلت هنا [في مركز الاستقبال]" . أمّا يوسف ح. , ستة عشر عاماً , فقد كان يعمل في تلميع الأحذية منذ صغره , وقد أخبَرنا بأنه ترك منْزله بعد إنهائه للصف الثالث الأبتدائي , لأنه أراد "حرية أكبر" مما كانت عائلته تسمح له بها

 

أخبَرنا سليمان م. , أربعة عشر عاماً , بأنه ترك منْزله عندما كان يبلغ من العمر حوالي العشرة سنوات , وكان ذلك بعد فترة قصيرة من قيام والده بإخراجه من المدرسة وإلحاقه بالعمل في ورشة سمكرة لتصليح هياكل السيارات . وقال , "اشتغلت فترة مع أخويا , لكن بطّلت شغل عنده من فترة طويله . كان بيضربني ويرميني في الشارع , وعشان كده هربت" , وهو يعيش الآن في الشارع في حي السيدة زينب , ويعيل نفسه من الإكراميات التي يحصل عليها لقاء عمله في مسح الغبار عن السيارات المتوقفة . لقد كانت علامات الاضطرات العاطفي بادية عليه , حتى لشخص ليس لديه أي خبرة في الصحة النفسية . وعند سؤاله عمّا يتصوره عن مستقبله , أجابنا : "حياتي كلها حزن في حزن , لمّا اكبر عاوز أبقى ضابط بوليس , علشان أقدر آخذ حقّي , وعشان لو أي حد قلّي أي حاجة أو ضايقني , أقدر أضربه . عاوز أقدر أقول لأمي , أنا حقتلك علشان إللي عملتيه فيّا" 0] .

الامتناع عن فصل الأطفال بالشكل المناسب بحسب الفئة العمريه والتهم الموجهة إليهم

 

"واحد من الأولاد التانيين ضربني على وشّي قبل نُصّ ساعة , كنّا بنتخانق . العساكر ما عَملوش أي حاجة."
_ عبدالله أ. , أربعة عشر عاماً , حجز إدارة رعاية الأحداث في قسم الأزبكية ,  تموز (يوليو)  .
يتعرّض الأطفال غير المحتجزين مع بالغين , أيضاً إلى خطر العنف وإساءة المعاملة , أو للتجنيد في نشاطات منافية للقانون من قبل أطفال آخرين , إذا لم يتم تصنيفهم وفصلهم بطريقة مناسبة , بحسب الحاجات والأوضاع الخاصة لكل طفل . قال المسئول عن مباحث رعاية الأحداث في وزارة الداخلية لمنظمة هيومان رايتس ووتش , أنه يوجد في حجز الأحداث في كل مديرية من مديريات الأمن , يتكونون من أثنتان أو ثلاثة باحثات وضابطات شرطة من النساء , ومن المسئوليات المناطة بهن , إعداد "بحث اجتماعي" عن أوضاع كل طفل , لكي يستخدم في تحديد التعامل مع كل طفل  . ومع ذلك , كان واحد فقط من الأطفال الذين قابلناهم , يتذكر أنه قد قابل إمرأة في حجز إدارة رعاية الأحداث في الأزبكية , وهي إمرأة قال الطفل أنها "بتضربنا بالحزام ."


على الرغم من أن حجز إدارة رعاية الأحداث في الأزبكية , يحتوي على ست غرف مكتوب عليها زنازين الأطفال - خمس منها مكتوب عليها زنازين الأولاد لفئات عمرية متنوعة , وواحدة مكتوب عليها زنزانة البنات - إلاّ أننا وجدنا يوم زيارتنا للمبنى في تموز (يوليو)  , أن ثلاثة فقط من الزنازين تستخدم بصورة منتظمة . كانت واحدة منها تحتوي على أربع بنات , والثانية تحتوي على تسعة أولاد كبار السن , والثالثة تحتوي على ثمانية أولاد صغار .  ووصف مدير حجز الأزبكية , العميد ياسر أبو شهدي , الأولاد الصغار بأنهم من "المعرضين للانحراف" , والأولاد الأكبر سناً بأنهم قد ارتكبوا جُنحاً . وكانت غرفتان أخريتان من الغرف المكتوب عليها أنها زنازين للأولاد , تستخدمان كمخزنين (راجع المادة اللاحقة) , وغرفة أخرى كانت فارغة سوى من سرير متعدد الأدوار وحيد . ووفقاً لما قاله المدير ياسر أبو شهدي , فالغرفتان المستخدمتان كمخزنين لم تستخدما قط لإيواء الأطفال , أما الغرفة التي تحتوي على سرير وحيد متعدد الأدوار , فأنها تستخدم فقط في وقت الضرورة , لعزل الأطفال المصابين بأمراض معدية . 


أخبر المدير ياسر أبو شهدي منظمة هيومان رايتس ووتش , أنه يقوم بفصل الأطفال الذين يودعون الحجز , "اعتماداً على عدد الإطفال القادمين و أعمارهم . فإذا كان عندي عدد كبير من الأطفال وفئات عمرية عديدة , عندها سيكون علي و"غصباً عني" , أن اضع العديد منهم مع بعضهم برغم اختلاف فئاتهم العمرية , إذ لا يتوفر لديّ سوى اربع زنازين ." وأضاف المدير أنه , ومع محدودية المكان المتوفر لديه , فهناك أشياء لا يسمح بحدوثها : "لا أقبل دخول طفل لم يتجاوز سن الثلاث سنوات , ولا أضع فتاة قادمة بسبب قضية دعارة مع أيتام مثلاً ." ومع ذلك , أعلَمنا أحد الخبراء وهو على دراية بالأوضاع في ذلك الحجز , أنه في الأحوال المعتادة , ألاّ تستخدم زنزانة "العزل" على الإطلاق , وأن الأطفال يصنفون فقط بناءً على الفئات العمرية , فهناك "زنزانة واحدة للبنات من جميع الأعمار , وواحدة للأولاد الذين تتراوح أعمارهم ما بين اثني عشر عاماً وخمسة عشر عاماً , وواحدة للأولاد الذين تتراوح أعمارهم ما بين خمسة عشر عاماً وثمانية عشر عاماً ." 


إن هذا المستوى من التصنيف غير كافي على الإطلاق للإيفاء بالمتطلبات الشخصية المحددة لكل طفل , ولضمان حمايتهم من التأثيرات السيئة والأوضاع الخطرة . ومما يثير القلق بشكل خاص , هو توفير زنزانة واحدة فقط للبنات , وذلك لأن البنات اللاتي تتم إدانتهن بارتكاب جرائم خطيرة في المحافظات الأخرى , عادة ما يُحتجزن لفترة ما في حجز إدارة رعاية مباحث الإحداث في الأزبكية , قبل وصولهن إلى المكان التي سيقضين بها مدة محكوميتهن .  ومن شأن هذا فعلياً أن يضمن بأن البنات اللاتي يحتجزن بسبب التغييب عن المدرسة أو التسوّل أو الهروب من المنْزل أو التشرّد , سيحتجزن مع بنات أكبر عمراً منهن بكثير ممن ارتكبن جرائم خطيرة .


وقد أخبَرَنا الأولاد والبنات الذين كانوا قد احتجزوا في حجز إدارة رعاية الأحداث في الأزبكية , أنهم عادة ما كانوا يحتجزوا مع أطفال يكبرونهم أو يصغرونهم سناً بكثير , واشتكى الأولاد من أن الحراس نادراً ما كانوا يتدخلون عندما يقوم الأولاد الأكبر سناً أو حجماً , بضرب الأولاد الأصغر سناً أو حجماً . وعندما قمنا بمقابلة الأطفال المحتجزين في الأزبكية في شهر تموز (يوليو)  , كان خد أحد الأطفال محمرّاً بصورة ملحوظة , وعندما سألناه عن سبب ذلك , أجاب عبدالله أ. , البالغ من العمر أربعة عشر عاماً , "واحد من الأولاد التانيين ضربني على وشّي قبل نُصّ ساعة , كنّا بنتخانق . العساكر ما عَملوش أي حاجة."  وأخبَرَنا أيمن م. البالغ  سنوات ، بأن الحراس كانوا يتدخلون عندما كان الأطفال يتشاجرون , أثناء فترة الخمس ليالي التي قضاها في في الأزبكية في بدايات شهر تموز (يوليو) , ولكنهم كانوا يتدخلون فقط لضرب الأولاد . وقال , "اتحجزت مع الأولاد , وكان اكبر واحد فيهم عندة اتناشر سنة , الأولاد الكبار شتموني وضربوا عيال تانيين , بسّ ما ضربونيش . كان في عيّل من عمري ضربني , وعشان كده ضربته . بعدين جه المخبر و ضربني وشتمني . كان الضابط ييجي ويضربنا كُلّنا لمّا يكون فيه خناقة بالزنزانة ." 

الامتناع عن فصل الأطفال بالشكل المناسب بحسب الفئة العمريه والتهم الموجهة إليهم

 


"واحد من الأولاد التانيين ضربني على وشّي قبل نُصّ ساعة , كنّا بنتخانق . العساكر ما عَملوش أي حاجة."
_ عبدالله أ. , أربعة عشر عاماً , حجز إدارة رعاية الأحداث في قسم الأزبكية ,  تموز (يوليو)  .


يتعرّض الأطفال غير المحتجزين مع بالغين , أيضاً إلى خطر العنف وإساءة المعاملة , أو للتجنيد في نشاطات منافية للقانون من قبل أطفال آخرين , إذا لم يتم تصنيفهم وفصلهم بطريقة مناسبة , بحسب الحاجات والأوضاع الخاصة لكل طفل . قال المسئول عن مباحث رعاية الأحداث في وزارة الداخلية لمنظمة هيومان رايتس ووتش , أنه يوجد في حجز الأحداث في كل مديرية من مديريات الأمن , يتكونون من أثنتان أو ثلاثة باحثات وضابطات شرطة من النساء , ومن المسئوليات المناطة بهن , إعداد "بحث اجتماعي" عن أوضاع كل طفل , لكي يستخدم في تحديد التعامل مع كل طفل  . ومع ذلك , كان واحد فقط من الأطفال الذين قابلناهم , يتذكر أنه قد قابل إمرأة في حجز إدارة رعاية الأحداث في الأزبكية , وهي إمرأة قال الطفل أنها "بتضربنا بالحزام ." 


على الرغم من أن حجز إدارة رعاية الأحداث في الأزبكية , يحتوي على ست غرف مكتوب عليها زنازين الأطفال - خمس منها مكتوب عليها زنازين الأولاد لفئات عمرية متنوعة , وواحدة مكتوب عليها زنزانة البنات - إلاّ أننا وجدنا يوم زيارتنا للمبنى في تموز (يوليو)  , أن ثلاثة فقط من الزنازين تستخدم بصورة منتظمة . كانت واحدة منها تحتوي على أربع بنات , والثانية تحتوي على تسعة أولاد كبار السن , والثالثة تحتوي على ثمانية أولاد صغار .  ووصف مدير حجز الأزبكية , العميد ياسر أبو شهدي , الأولاد الصغار بأنهم من "المعرضين للانحراف" , والأولاد الأكبر سناً بأنهم قد ارتكبوا جُنحاً . وكانت غرفتان أخريتان من الغرف المكتوب عليها أنها زنازين للأولاد , تستخدمان كمخزنين (راجع المادة اللاحقة) , وغرفة أخرى كانت فارغة سوى من سرير متعدد الأدوار وحيد . ووفقاً لما قاله المدير ياسر أبو شهدي , فالغرفتان المستخدمتان كمخزنين لم تستخدما قط لإيواء الأطفال , أما الغرفة التي تحتوي على سرير وحيد متعدد الأدوار , فأنها تستخدم فقط في وقت الضرورة , لعزل الأطفال المصابين بأمراض معدية . 


أخبر المدير ياسر أبو شهدي منظمة هيومان رايتس ووتش , أنه يقوم بفصل الأطفال الذين يودعون الحجز , "اعتماداً على عدد الإطفال القادمين و أعمارهم . فإذا كان عندي عدد كبير من الأطفال وفئات عمرية عديدة , عندها سيكون علي و"غصباً عني" , أن اضع العديد منهم مع بعضهم برغم اختلاف فئاتهم العمرية , إذ لا يتوفر لديّ سوى اربع زنازين ." وأضاف المدير أنه , ومع محدودية المكان المتوفر لديه , فهناك أشياء لا يسمح بحدوثها : "لا أقبل دخول طفل لم يتجاوز سن الثلاث سنوات , ولا أضع فتاة قادمة بسبب قضية دعارة مع أيتام مثلاً ." ومع ذلك , أعلَمنا أحد الخبراء وهو على دراية بالأوضاع في ذلك الحجز , أنه في الأحوال المعتادة , ألاّ تستخدم زنزانة "العزل" على الإطلاق , وأن الأطفال يصنفون فقط بناءً على الفئات العمرية , فهناك "زنزانة واحدة للبنات من جميع الأعمار , وواحدة للأولاد الذين تتراوح أعمارهم ما بين اثني عشر عاماً وخمسة عشر عاماً , وواحدة للأولاد الذين تتراوح أعمارهم ما بين خمسة عشر عاماً وثمانية عشر عاماً ." 


إن هذا المستوى من التصنيف غير كافي على الإطلاق للإيفاء بالمتطلبات الشخصية المحددة لكل طفل , ولضمان حمايتهم من التأثيرات السيئة والأوضاع الخطرة . ومما يثير القلق بشكل خاص , هو توفير زنزانة واحدة فقط للبنات , وذلك لأن البنات اللاتي تتم إدانتهن بارتكاب جرائم خطيرة في المحافظات الأخرى , عادة ما يُحتجزن لفترة ما في حجز إدارة رعاية مباحث الإحداث في الأزبكية , قبل وصولهن إلى المكان التي سيقضين بها مدة محكوميتهن .  ومن شأن هذا فعلياً أن يضمن بأن البنات اللاتي يحتجزن بسبب التغييب عن المدرسة أو التسوّل أو الهروب من المنْزل أو التشرّد , سيحتجزن مع بنات أكبر عمراً منهن بكثير ممن ارتكبن جرائم خطيرة .


وقد أخبَرَنا الأولاد والبنات الذين كانوا قد احتجزوا في حجز إدارة رعاية الأحداث في الأزبكية , أنهم عادة ما كانوا يحتجزوا مع أطفال يكبرونهم أو يصغرونهم سناً بكثير , واشتكى الأولاد من أن الحراس نادراً ما كانوا يتدخلون عندما يقوم الأولاد الأكبر سناً أو حجماً , بضرب الأولاد الأصغر سناً أو حجماً . وعندما قمنا بمقابلة الأطفال المحتجزين في الأزبكية في شهر تموز (يوليو)  , كان خد أحد الأطفال محمرّاً بصورة ملحوظة , وعندما سألناه عن سبب ذلك , أجاب عبدالله أ. , البالغ من العمر أربعة عشر عاماً , "واحد من الأولاد التانيين ضربني على وشّي قبل نُصّ ساعة , كنّا بنتخانق . العساكر ما عَملوش أي حاجة."  وأخبَرَنا أيمن م. البالغ  سنوات ، بأن الحراس كانوا يتدخلون عندما كان الأطفال يتشاجرون , أثناء فترة الخمس ليالي التي قضاها في في الأزبكية في بدايات شهر تموز (يوليو) , ولكنهم كانوا يتدخلون فقط لضرب الأولاد . وقال , "اتحجزت مع الأولاد , وكان اكبر واحد فيهم عندة اتناشر سنة , الأولاد الكبار شتموني وضربوا عيال تانيين , بسّ ما ضربونيش . كان في عيّل من عمري ضربني , وعشان كده ضربته . بعدين جه المخبر و ضربني وشتمني . كان الضابط ييجي ويضربنا كُلّنا لمّا يكون فيه خناقة بالزنزانة ."

الاوضاع خلال الترحيلات

 


في المرّة الأولى لدى ترحيلي إلى المحافظة التي أتيت منها , كان فيه خمسين أو ستين واحد في عربية الترحيلات , كبار وصغار . واحد من الكبار قال لي إن أنا 'ابن وسخة' . كنت متكلبش بالحديد , والكبار كانوا متكلبشين كمان , ما كنتش قادر اتنفس , وفكّرت إن انا حموت , كنت اصرّخ بس ما حدّش عمل حاجة . وما فتحوش الباب إلاّ لمّا وصلنا . كان في عيال صُغيرين بيعيطوا , بس ما حدّش عمل لُهم حاجة"
_ يحيى ح. , أحد عشر عاماً , القاهرة , مصر ,  تموز (يوليو) 00 .


عادة ما تقوم الشرطة المصرية بترحيل الأطفال في ظروف تشكّل انتهاكاً للمعايير الدولية , ومن ضمنها منع المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة . وكثيراً ما تقوم الشرطة بنقل الأطفال المعتبرين "معرضين للانحراف" مع بالغين وأطفال متهمين بجرائم خطيرة , وعادة ما يستخدموا لذلك سيارات ترحيلات لنقل المساجين سيئة التهوية , أو سيارات أخرى غير ملائمة . وفي بعض الحالات يُرحّل الأطفال مشياً على الأقدام , أو في وسائل المواصلات العامة , بينما هم مقيدين بأغلال حديدية أو حبال . ويتعرضون خلال ذلك للإهانة والتوبيخ من قبل العامة .
وبصورة عامة , تقوم شرطة القاهرة بترحيل أي طفل مُحتجز بوصفه "معرّضاً للانحراف" أربع مرات على الأقل : من مكان القبض عليه إلى حجز في قسم شرطة خاص بالبالغين ؛ ومن حجز البالغين إلى حجز الأحداث في الأزبكية ؛ ومن حجز الأحداث إلى النيابة العامة للأحداث ؛ وعودة من النيابة العامة للأحداث إلى حجز الأحداث . وإذا أمرت النيابة العامة للأحداث في القاهرة أو محكمة الأحداث بإعادة الطفل إلى عائلته في مدينة أخرى , يكون على الطفل القيام برحلة إضافية من حجز الأحداث بالأزبكية إلى قسم الشرطة في تلك المدينة . أمّا الأطفال الذين يُحكم عليهم بقضاء وقت في مؤسسة رعاية اجتماعية , أو مؤسسة عقابية , فإنهم يمرون أولاً عبر الأزبكية , في طريقهم من وإلى تلك المؤسسات


كل مرحلة من مراحل عملية الترحيل , تعرّض الأطفال إلى أخطار مختلفة . واستناداً إلى المقابلات التي أجرتها منظمة هيومان رايتس واتش , فإن السيارات المستخدمة في ترحيل الأطفال من مكان القبض عليهم , إلى أقرب حجز للبالغين في أقسام الشرطة , عادة ما تكون أكثر أمناً من السيارات الأخرى المستخدمة في الترحيل , وذلك لأنها تتسع عادة لعدد أقل من الأطفال , كما أن الاحتمال أضعف بأن تقوم الشرطة بخلط الأطفال "المعرضين للانحراف" مع الأطفال المحتجزين بسبب ارتكابهم جرائم خطيرة . ومع ذلك , هناك نوعان من السيارات يُستخدمان بكثرة أثناء القبض على الأطفال , ويثيران القلق بصورة خاصة . النوع الأول هي سيارة ترحيلات صغيرة , معروفة عموماً بإسم "البوكس" , إذ إنها مزودة بغطاء من القماش أو المعدن , يغطي القسم الخلفي من السيارة جزئياً , حيث يوجد بعض المقاعد الخشبية , وهذه المقاعد غير آمنة , إذ يتعرّض الأطفال الذين تكون أيدهم مقيدة , إلى خطر السقوط عن المقاعد الضيقة أثناء تحرّك السيارة , وكون السيارة مكشوفة من الخلف , فإن هذا يُعرّض الأطفال للظهور في هذا المظهر أمام عامة الناس , ويتعرضون لتوبيخهم . أمّا النوع الثاني فهو باص صغير (ميكروباص) , عادة ما يُستخدم في حملات القبض على الأطفال , عندما يُقبض على عدد أكبر من الأطفال في وقت واحد , مما يزيد من احتمال خلط الأطفال من فئات عمرية وخلفيات متباينة . وفي بعض الحالات , يكون هذا الباص الصغير مستخدماً كسيارة أُجرة , وتصادره الشرطة لاستخدامه , تحديداً , في تلك الحملات , ومن الممكن أحياناً أن يكون في حالة ميكانيكية سيئة  . وعندما تستخدم الشرطة سيارات الترحيلات الصغيرة أو الباصات الصغيرة , بدلاً من السيارات الصغيرة , فمن الممكن أن يُمضي الأطفال فترات أطول في السيارات , إذا قرر أفراد الشرطة الانتظار حتى امتلائها , قبل رجوعهم إلى قسم الشرطة .

 


أمّا أكثر السيارات خطورة من التي تستخدمها الشرطة في ترحيل الأطفال , فهي سيارات إدارة الترحيلات في وزارة الداخلية . وهذه السيارات (عربيّة الترحيلات) هي شاحنات معدنية ضخمة زرقاء اللون , وتستخدم غالباً في نقل المتهمين والمدانين بارتكاب جرائم من البالغين . ولكن كثيراً ما تستخدمها الشرطة لترحيل الأطفال ما بين مقار احتجاز البالغين , وحجز الأحداث في الأزبكية والنيابة العامة  . ويوجد في هذه الشاحنات أربع نوافذ صغيرة مزوّدة بقضبان حديدية , على كلا الجانبين الطويلين من الشاحنة , بالإضافة إلى نافذة أخرى على الباب الخلفي للشاحنة , ولا يوجد فيها مقاعد للمحتجزين . ويتسبب لون الشاحنة الداكن وتهويتها السيئة بجعلها شديدة الحرارة في الداخل أثناء فصل الصيف , كما أن خلوّها من المقاعد , يجعل من الصعب على المحتجزين تجنب السقوط أثناء تحرّك الشاحنة . ووصف لنا محامي حقوق إنسان , كان قد تعرّض للترحيل في شاحنات كهذه أربع مرّات أثناء صيف العام  , وقال أنها كالجحيم . "لكي تتجنّب السقوط أثناء مسير الشاحنة , عليك التشبث بقضبان النافذة , ولكن عندما تكون القضبان معرّضة للشمس , فإنها تصبح شديدة الحرارة بحيث لا يمكنك الإمساك بها , وعليك أن تلفّها بقميص . كانت الرائحة رهيبة , وكان الجميع يتشاجرون للوقوف جوار النافذة من أجل التقاط نَفَس . كنّا نتشبث بالنوافذ لكي نتنفس , مع أن قضبان النوافذ وجوانب الشاحنة المعدنية كانت تحرقنا " 


. وشهدت منظمة هيومان رايتس واتش عدة حالات , حيث احتُجز بالغون في شاحنات تابعة لإدارة الترحيلات , كانت متوقفة بجوار أقسام الشرطة , وكان المحتجزون يستخدمون ملابسهم الداخلية , للإمساك بقضبان النوافذ , ويتسولون المارة لإحضار الماء لهم

 


أخبَرنا الأطفال بأن سيارات إدارة الترحيلات , تكون أحياناً شديدة الازدحام , وفي العادة تقوم الشرطة بخلط الأطفال مع المحتجزين الجنائيين البالغين , وهؤلاء بدورهم يقومون بضرب الأطفال وشتمهم . وقال عمرو ر. , ستة عشر عاماً , "خدوني النيابة بعربية الترحيلات الزرقا شاحنة , وكنت بالكلبشات . وركبت في العربية مع رجّاله , فيه شويه شتموني . لكن واحد منهم ضربني , وانا كنت العيّل الحيد فيهم. الرحلة خدت ساعة , رايح جاي "  . وأخبرنا أنور ر. بأن الشرطة قامت بنقله مع محتجزيين جنائيين بالغين لعدة مرات , خلال فترة أسبوعين ونصف قضاها في قسم شرطة الجيزة , وفي دار الملاحظة في الجيزة , وفي حجز الأزبكية , وذلك قبل إعادته إلى أسرته . وقال , "هُمَّ بسّ يرحلونا من قسم شرطة لَ قسم , لَحدّ ما يودونا البلد . رحّلونا بين أقسام الشرطة بعربية ترحيلات للمسجونين , مع الكبار . وكنّا مربوطين بحبال , بسّ الكبار كانوا متكلبشين . كانت بتشتي والجو برد , وفي كل مرّة كانوا يرحلونا في داخل القاهرة كانوا يرحّلونا بعربيات الترحيلات"  .


علِمَت منظمة هيومان رايتس ووتش من الأطفال الذين تعرضوا لاعتداءات من قبل المحتجزين الآخرين أثناء الترحيل , ومن الأطفال الذين شهدوا اعتداءات كهذه , أن الشرطة لم تفعل شيئاً لحمايتهم من تلك الاعتداءات . وفي حالة واحدة على الأقل استغل أحد الحراس من حجز الأحداث في الأزبكية , قلّة الإشراف أثناء الترحيل , وقام بالتحرّش جنسياً بطفلة . وأخبرتنا منى أ. , ستة عشر عاماً , أن أحد الحراس من الشرطة قد هاجمها , وذلك أثناء ترحيلها ما بين حجز الأزبكية , وبين المؤسسة التي كانت محتجزة فيها , على خلفية تهمة آداب . وقالت "كان العسكري مراقبني من بدري , وكنّا بعربية ترحيلات مليانة بنات وأولاد من كل الأعمار , ولمّا العربية تتحرك , كل الناس إللي جوّاها تترمي من جنب لجنب , وقع الحارس عليّا , بس لمّا تحركنا تاني , ما رضيش يقوم عنّي" . وقالت منى أن الحارس قام بتثبيتها على أرضية السيارة , وأخذ يتحسس جسدها حتى قامت بضربه عدة مرات ؛ وشاركها بقية الأطفال بضرب الحارس حتى تركها . وقالت "عادة الأولاد من مدينتها الأصلية يحموا البنات إللي من هناك , بس ده كان عسكري" 0

.
في بعض الحالات تستخدم الشرطة القطار أيضاً لترحيل الأطفال والبالغين المحتجزين من أو إلى أقسام الشرطة أو مؤسسات معينة في محافظات بعيدة . ووصف أنور ر. عملية ترحيلة بالقطار إلى المحافظة التي أتى منها وقال "بعد أسبوع في الأزبكية , كان هناك جماعة مننا أصلهم من الصعيد , وبعتونا الصعيد كُلّنا مع بعض . كان في ناس كتير , وبعتونا بقطر للمسجونين . كانوا العيال الصُغيّرين مربوطين بحبال , والكبار متكلبشين , كُنّا كُلّنا مع بعض . كانت أول عربيتين في القطر للمسجونين , وباقي القطر للمسافرين . وكان فيه بوليس كتير , وما اعطوناش أكل واحنا في القطر . ركبنا الظهر ووصلنا بالليل"  . وقال سيف س. لمنظمة هيومان رايتس واتش , بأن الشرطة أرسلته بالقطار إلى محافظات أسيوط والمنوفية ما يقارب العشرة مرّات , وذلك اعتماداً على ما كان يدّعيه عن مكان سكن أسرته . " لمّا يبعتونا البلد , يبعتونا بالقطر مع الكبار . وفي المرة اللي فاتت بعتونا شبين الكوم في المنوفية , وخدتنا تقريباً ساعة . ما فيش أكل على القطر بسّ في ميّه


قال اللواء سيّد محمدين , مدير الإدارة العامة لمباحث رعاية الأحداث , لمنظمة هيومان رايتس ووتش " أصدرنا تعليمات لضباط الشرطة , بوجوب ترحيل الأطفال بصورة منفصلة وعربيات خاصة , وبعدم وضع الأطفال مع البالغين تحت أي ظرف ." وعندما طلبنا منه الرد على حالات محددة من الإيذاء جرت أثناء الترحيل , أقرّ بأن "الأشخاص المسئولين عن ترحيل الأطفال هم بذاتهم مشكلة" . ولكنه قال أيضاً أن المسئولية تقع على مديرية أمن القاهرة , وليس على الإدارة العامة لمباحث رعاية الأحداث , في التحقيق بأمر انتهاك السياسة الإدارية العامة , مما يُعرّض الأطفال للخطر 

 


قال العديد من الأطفال الذين قابلناهم , بأن الشرطة تقوم بتقييد أيديهم باستخدام حبال أو قيود حديدية , في مراحل معينة أثناء القبض عليهم واحتجازهم . وأكثر ما تُستخدم القيود , هو أثناء الترحيل ما بين قسم الشرطة والنيابة العامة , ولكنها تُستخدم أيضاً لدى ترحيل الأطفال داخل البنايات , أو عند ترحيلهم بالقطار  . وعادة ما يُقيَّد الأطفال إلى بعضهم البعض ليشكلوا مجموعة , ولا تسعى الشرطة لفصلهم بحسب الفئة العمرية أو بحسب التهمة . وقالت وردة ن. , ستة عشر عاماً , تصف عملية ترحيلها من إحدى مدن القناة إلى القاهرة , في شهر تموز (يوليو) 00 "طلّعوني القطر وكلبشوني مع بنتين , واحدة منهم كانت تهمتها قتل , والتانية شيكات من غير رصيد"  . واستناداً إلى المقابلات التي أجرتها منظمة هيومان رايتس ووتش , يبدوا أن الشرطة لا تُفرّق بين الأطفال الصغار أو الأكبر سناً في استخدامها للقيود الحديدية . وكان أصغر الأطفال سناً ممن تحدثوا عن تقييدهم بالقيود الحديدية , هو طفل يبلغ من العمر أحد عشر عاماً , وقد قُيّد أثناء ترحيله بالقطار , مع محتجزين بالغين .

 


ويبدوا أن استخدام الحبال لتقييد مجموعة من الأطفال إلى بعضهم , أكثر ما يكون شيوعاً , عندما توقف الشرطة أطفالاً بوصفهم "معرضين للانحراف" على مبعدة شوارع قليلة من قسم الشرطة , وبعد ذلك يجبرونهم على المسير كمجموعة إلى القسم . ويمثّل الوصف الذي قدمته وداد ت. عن المرّة العاشرة التي جرى فيها إلقاء القبض عليها , في أوائل شهر تموز (يوليو) 00 , تجارب العديد من الأطفال , إذ قالت "قبضوا على خمس بنات معايا , وخدونا الأزبكية , ربطونا بحبل وأمرونا نمشي لغاية القسم , كانوا أربع عساكر , وما قالوش أي حاجة , بس إننا 'تسول' "  . إضافة إلى ذلك , أخبَرَنا محامون وعاملون في جمعية المساعدة القانونية لحقوق الإنسان , بأنهم عادة ما يشاهدون الشرطة تقود مجموعات من الأطفال , مقيدين إلى بعضهم بحبال , وسيراً على الأقدام , من محطة المترو القريبة إلى مجمع محكمة الأحداث /دور التربية ، أو من قسم الشرطة القريب , إلى محكمة القاهرة للأحداث  .
قال اللواء سيّد محمدين , مدير الإدارة العامة لمباحث رعاية الأحداث , لمنظمة هيومان رايتس ووتش , بأن الوزارة تمنع استخدام القيود الحديدية لتقييد الأطفال الصغار والأطفال "المعرضين للانحراف" . وقال "يمكن استخدام القيود الحديدية مع الإطفال الذين يرتكبون جرائم , ولكن من غير المسموح أن يُرحّلوا مع موقوفين بالغين أو في المواصلات العامة . ولا يُقيّد 'الأطفال المعرضون للانحراف' على الإطلاق , وهذا الأمر لا يشكّل مشكلة , لأن الطفل لا يشكل خطراً فيما إذا قام بالهرب . ومع ذلك , فما زلنا نرى حالات يقوم فيها حارس مع عشرين طفلاً تحت حراسته , ويستخدم حبلاً في تقييدهم , وفي هذه الحالات , نُعلم العسكري أن استخدام الحبال هو أمر خاطيء"  . وأخبَرَنا ضابط شرطة متوسط الرتبة في قسم شرطة بولاق الدكرور , أنه يقرر استخدام القيود بناءً على سن الطفل , وليس على أساس التهم الموجهة له , "إحنا ما نحطّش كلبشات على العيال الصغيرين , تقدر تحط كلبشات على عيّل صُغيّر ؟ أنا ما اقدرشِ أعمل كده ؛ دا ما يكُنشِ صح . على كل حال , العيال الصُغيّرين يخافوا مننا , ف ما نحتاجِش نكلبشهم . ونحطّهم بسّ للعيال الكبار"  .

 

استخدام عربات الترحيل كأماكن للاحتجاز

 

 

بحدود الساعة الحادية عشرة قبل الظهر , في يوم 24 تموز (يوليو) 2002 , شاهد أحد باحثي منظمة هيومان رايتس ووتش , أفراد شرطة في قسم شرطة بولاق الدكرور , يستخدمون سيارة {شاحنة} مكتوب عليها "سيارات إدارة الترحيلات - وزارة الداخلية" , وذلك لاحتجاز ما يقرب عن اثني عشر طفلاً , وعشر بالغين . وظهرَ أن السيارة هي من النوع الذي يُستخدم في ترحيل المجندين إلى مواقعهم , وهي شبيهة بالسيارات التي تستخدم في ترحيل السجناء , ولكنها غير مزودة بباب خلفي , وفيها مقاعد خشبية في الداخل . كان ستة من الأطفال المحتجزين أولاداً وبناتاً يبدو أن أعمارهم تتراوح ما بين عشرة سنوات , وأربع عشرة سنة , وبقية الأطفال كانوا جميعاً من البنات , ويبدو أن أعمارهن تتراوح ما بين الخامسة عشرة والسادسة عشرة . وأعلَمنا أفراد الشرطة الذين كانوا يحرسون الشاحنة بأن جمع الأطفال الصغار قد قُبض عليهم بسبب قيامهم بالتسوّل , وأن بعض الفتيات الأكبر سناً قد قُبض عليهن بسبب تُهم آداب , وبعضهن الآخر بسبب قيامهن "ببيع المناديل الورقية" . وكان جمع الرجال وإحدى الفتيات الأكبر سناً مقيدين بقيود حديدية . بينما كان بقية الأطفال من غير قيود .


وبالرغم من أن أفراد الشرطة كانوا قد أوقفوا السيارة في مكان مُظلل جزئياً , إلاّ أن الوضع في السيارة ذات الغطاء المعدني واللون الداكن وسيئة التهوية , كان خانقاً . ولدى سؤال أمين الشرطة الذي كان يشرف على حراسة السيارة عن سبب احتجاز الأطفال في سيارة الترحيلات , في يوم من المتوقع أن تصل درجة الحرارة فيه إلى 35 درجة مئوية , أجاب "عشان إحنا حنفرج عنهم , وأهاليهم حيجوا يخدوهم . وإذا ما جوش , إحنا حنمشيهم حوالي الساعة 5 أو 6 العصر ."


كان أكثر المحتجزين البالغين جالسين على أرضية السيارة المزدحمة . ومن الواضح أنهم جلسوا هناك للابتعاد عن الجوانب المعدنية للسيارة , بينما كان الأطفال واقفين في الحيز المتبقي , فيما عدا اثنتين من الفتيات الأكبر سناً , كان أفراد الشرطة قد سمحوا لهما بالوقوف في أكشاك الشرطة , بجوار الفتحة الخلفية للسيارة , بالإضافة إلى فتاتين حسنتي الهندام , سُمح لهما بالوقوف خارج السيارة , والسبب أن "البنات دول كويسين , إحنا نعرفهم . وهم عايشين قريب من هنا . ويبيعوا مناديل جنب فندق الشيراتون . إحنا بسّ مستنيين نتيجة الكشف [البحث عن أوامر مُعلّقة للقبض عليهم] , وبعد كده حنمشّيهم . بالحالات إللي زي دي , بيفضلوا بالقسم أربعة وعشرين ساعة , وبعدين لمّا تيجي نتيجة الكشف , بنمشّيهم على طول ." وقال الأطفال لمنظمة هيومان رايتس ووتش , بأنهم لم يتناولوا طعاماً منذ القبض عليهم باليوم السابق , وأنهم طلبوا طعاماً وماءً . وقد أقرّ الضابط المشرف بأن الشرطة لم تقدّم الطعام للمحتجزين , ولكنه قال أنه من المسموح لهم أن "يلموّا فلوس من بعضيهم , ويبعتوا حدّ يشتري أكل" . وشاهدت الباحثة طفلاً صغيراً يُحضر شاندويشات لبعض الرجال المحتجزين , واستطاع لاحقاً أن يُحضر شاندويشات للأطفال المحتجزين .
لم تتمكن منظمة هيومان رايتس ووتش , من تحديد مدى شيوع استخدام سيارات الترحيلات , كمقار احتجاز مؤقتة , في أقسام الشرطة الأخرى , ولكن كان من الواضح من خلال محادثتنا مع أفراد الشرطة , بأن هذه الممارسة ليست غير معتادة في قسم بولاق الدكرور . وشاهدنا كذلك أفراد شرطة يحتجزرن أطفالاً لفترات أقصر , في سيارات ترحيل للسجناء تابعة لإدارة الترحيلات , وذلك بقرب محكمة القاهرة للأحداث/مجمع دور التربية , في شهري حزيران (يونيو) وتموز (يوليو) 2002 . وفي تلك الحالات كانت السيارات متوقفة في مكان مظلل جزئياً . ولكن الباب الخلفي للسيارة كان مغلقاً , وتحركت السيارات خلال ساعة واحدة .

الرعاية الصحية

 

عادة ما يكون الأطفال الذين يُقبَض عليهم بتهمة أنهم "معرضين للانحراف" , يعانون من مشاكل صحية خطيرة قبل القبض عليهم . وكان أكثر الأطفال الذين قابلتهم منظمة هيومان رايتس ووتش , قد عاشوا في الشوارع لفترات زمنية طويلة , وهذا بدوره عامل يزيد بحدة خطر تعرضهم لمشاكل صحية مزمنة , ومن ضمنها أمراض الجلد , وفقر الدم , والالتهابات المعوية الطفيلية , والتهابات من جروح لم تُعالج , والإدمان على المخدرات , وسوء التغذية .  ويبدو أن لا أحد منهم مؤهّل للاستفادة من العناية الطبية الممولة من الحكومة للأطفال الذين في سن الدراسة , لأنهم غير مُلتحقين في المدارس في الوقت الحاضر . وأخبَرَنا الأطفال أنهم , ونتيجة لذلك , لا يسعون إلى الحصول على العناية الطبية إلاّ إذا أُصيبوا بإصابات خطيرة .  وقالت عزّة س. , أربعة عشر عاماً , "الروحة على مستشفى الحكومة تكلّف  جنيه , وزيادة عليهم حق الدوا . ساعات اكون عيّانة قوي , بسّ انا بضغط على نفسي ."


أمّا البنات اللاتي يعشن في الشوارع فعادة ما يعانين من مشاكل صحية إضافية , متعلقة بالخطورة الكبيرة في تعرضهن للاغتصاب , والحمل المبكّر , والافتقار العام للعناية بالصحة الإنجابية . وأخبَرَنا أخصائيون اجتماعيون يعملون في إحدى المنظمات غير الحكومية المهتمة بالبنات اللاتي يعشن بالشوارع , أن العديد من البنات قد تعرضن للاغتصاب , وأن جميع البنات يفتقرن للمعلومات عن الدورة الشهرية والحمل والعناية بالحمل . وقال مدير مركز الاستقبال المخصص لأطفال الشوارع , "علينا أن نعلمهم حتى الأشياء الأساسية , وأكثرهن لا يعرفن شيئاً عن النظافة الشخصية والدورة الشهرية . وعلينا أن نخبرهن ماذا عليهن أن يأكلن عند الحمل , وأن يتوقفن عن ممارسة شمّ الصمغ الصناعي لأن ذلك يؤذي الطفل في الرحم ."


ومن المعتاد أن تقوم الشرطة في مقار احتجاز البالغين بحرمان الأطفال من العناية الطبية , فيما عدا الحالات الشديدة التي تكون فيها حياة الطفل مهددة . وأوضحت آمال أ. , ستة عشر عاماً , "إذا مرضت , تروح تدّي العسكري فلوس عشان يروح يشتريلك دوا ."  وأخبَرَنا زياد ن. بأنه أمضى ثلاثة أيام في قسم شرطة السيدة زينب , من دون أن يتلقّى عناية طبية لمداواة الجروح التي أصيب بها عندما قام أفراد الشرطة بضربه أثناء إلقاء القبض عليه . وقال , "كنت بنْزِف بسّ ما شفتش دكتور لغاية ما خرجت من الحجز ."  وقالت سميرة ي. , خمسة عشر عاماً , "لمّا تقول لهُم انُك عيّان ما يصدقوكش , وإذا شافوا إنّك عيّان خالص وكان باين عليك انّك حتموت , بيسيبوك تخرج ." وأخبَرَنا الأطفال أنهم لم يروا أبداً طبيباً يزور المحتجزين في مقار الاحتجاز في اقسام الشرطة , ولكن سميرة ي. أوردت أنها شهدت حالة تم فيها نقل مصاب إلى المستشفى . وقالت , "كانت وحدَة ست كانت جاية تزور راجل محجوز في قسم روض الفرَج , وحاولت تهرّبله شوية دوا مسّكن . الست دي كانت حامل بس ما كانشِ باين عليها , عشان هي تخينة ولابسه هدوم واسعة . العساكر مسكوها وضربوها ورموها في الزنزانة معانا . نزفت دم كتير قوي . قعدنا نخبّط على الباب وجه الضابط وخدها المستشفى . وبعد أربع أيام رجعوها الحجز تاني , بس كانت طرحت المولود ."  وكانت نوال أ. , تسعة عشر عاماً , هي الوحيدة بالإضافة لسميرة , التي قالت أنها رأت أحد المحتجزين في قسم شرطة للبالغين يُنقل للمستشفى . وقالت , "شفت وحدة ست كان عندها سكّر وكانت تعبانة خالص . إذا عييّت في الحجز , العساكر يسيبوك لحد ما تموت . هُمّ استنوا لآخر لحظة وبعدين اتّصلوا بالإسعاف ." 


أمّا توفّر الرعاية الطبية للأطفال في حجز إدارة رعاية الأحداث في الأزبكية , فهو أفضل بقليل , مما هو عليه الحال في مقار الأحتجاز لبالغين في أقسام الشرطة . فمن الأطفال التسعة عشر الذين كانوا قد احتجزوا في الأزبكية , أورد طفل واحد فقط يبلغ من العمر ستة عشر عاماً , عن تلقيه للعناية وذلك الطبية لإصابة أصيب بها على يد طفل آخر في الحجز, فقد قال طارق أ. , "آخر مرة اتحجزت فيها , رحت المستشفى , كان واحد من العيال الكبار ضربني على جنبي , كنت بصرّخ من الوجع , فقاموا ودّوني المستشفى . ما كانشِ فيه تأخير , ادّاني الدكتور دوا , وبعد كده رجعت الأزبكية والعساكر ودّوني البيت ." ورغم أنه أصيب بذلك قبل شهرين , إلاّ ان طارق لا يزال يعاني من الألم عندما يتحرّك , وقال "ما فيش علامة من برّه , بسّ هيّ لسّه بتوجعني من جوّا ." 
والحالة الأكثر نمطية كانت الحالة التي أوردتها وداد ت. البالغة من العمر ستة عشر عاماً , إذ قالت أن الشرطة في حجز إدارة رعاية الإحداث في الأزبكية قد امتنعت عن تقديم العناية الطبية لإحدى الفتيات الثماني عشرة المحتجزات في الزنزانة معها في أوائل شهر تموز (يوليو)  . وقالت "كان فيه وحدَه مريضة قوي , و حرارتها طلعت , بسّ العساكر ما عملوش أي حاجة . إحنا بقينا نحط عليها ميّه علشان نبردها ."  أما منصور ن. , فحينما قابلناه بعد بضعة أيام من خروجه من الحجز في أوائل شهر تموز (يوليو)  , كان لا يزال يتنفّس بصعوبة , وكان هناك سائل شفاف يقطر من أذنه , وقال "انا كنت عيّان لمّا وصلت هناك , من كتر تدخين السجاير . الزحمة وقلّة التهوية خلوني أعيّا زيادة . ما كانشِ فيه أكل كفاية وما كانشِ فيه دكتور . بعد ما طلعت رحت الدكتور وادّاني روشتّه ." 

 

أخبَرَ اللواء سيّد محمدين , منظمة هيومان رايتس ووتش , أنه ليس من سياسة إدارته توفير العناية الطبية للأطفال المحتجزين , وقال "إن الفترة التي يمضيها الأطفال معنا قصيرة , ولهذا فنحن لا نقدم خدمات صحية في الأزبكية . هناك إسعافات أولية , أو أن الطفل يُنقَل إلى المستشفى , ولكن لا يوجد طبيب في الأزبكية ."  كما أخبَرَنا العميد ياسر أبو شهدي , مدير إدراة رعاية الأحداث في الأزبكية , بأن "مفتش صحة يأتي من وزارة الصحة مرة كل يومين ," ولكنه , وبوصفه المدير , هو الشخص المسئول عن تحديد حاجة الأطفال للعناية الطبية . وقال العميد ياسر أبو شهدي أنه يفعل ذلك بتفحّص الأطفال من خلال النظر إليهم في وقت إدخالهم إلى الحجز , رغم أنه ليس ضابط في الخدمات الطبية , وأنه قال أنه نُقل حديثاً إلى إدارة رعاية الأحداث بعد أن أمضى أكثر مدة خدمته في وحدة مكافحة المخدرات التابعة للشرطة . "عندما يأتي طفل , أنظر اليه من أجل أن أرى إذا كان لديه مشاكل صحيّة , وإذا كان لدي شك أنه مصاب بمرض معدي , أقوم بإرساله إلى المستشفى ." ومن غير المرجح أن هذا المستوى المتدنّي من التشخيص الطبي والتحويل إلى المستشفى , يجري في الواقع , إذ أن العميد ياسر أبو شهدي قد ناقض لاحقاً أقواله الأولى , إذ ذكر أنه قام بوضع أطفال في الحجز كان يعتقد أنهم مصابون بأمراض معدية , وأنه يقوم بالإشراف على حجز الأحداث باستخدام الهاتف الجوال (الموبايل) لأنه "تقريباً" لا يبقى في المبنى "إطلاقاً" . 


حتى لو قام الطبيب بزيارة حجز الأزبكية مرتين في الأسبوع , فإنه لن يجد إلا وسائل قليلة لعلاج الأطفال . فعندما طلبت منظمة هيومان رايتس ووتش رؤية "العيادة" , أطلعونا على غرفة صغيرة وضيقة وفيها طاولتان ومكتب صغير , وسرير لفحص المرضى وكرسي واحد وحوض . وكحال بقية المبنى , كان يبدو أن الأرض شُطفت بالماء منذ فترة وجيزة , ولكن الأثاث كان مغبرّاً وموضوعاً فوق بعضه إلىجوار الجداران . وبالرغم من الحرار الشديدة , كان المصدر الوحيد للتهوية , نافذة وحيدة مزودة بشبك معدني , وكانت مغطاة ببطانية تراكمت عليها طبقات كثيفة من الغبار , ويبدوا أنها لم تُزحزح من هناك منذ أسابيع . ولم تكن الغرفة تحتوي على أي مستلزمات طبية , أو أجهزة طبية , أو حتى صابون .

السياق العام

 

دما أجرت منظمة هيومان رايتس ووتش , مقابلة مع آمال أ. , البالغة من العمر ستة عشر عاماً , في تموز (يوليو) 2002 , كانت تعيش في الشوارع منذ أربعة شهور , وتنام في حديقة عامة . وقالت , "سبت البيت لأن ابويا كان عاوز فلوس , وكان عايزني اشتغل شغالة في بيت . ومرّة اشتغلت في أسوان , والراجل هناك اتهجم عليّا , كان قليل الأدب معايا . قلت لأبويا عنّه , لكنُه كان عايزني أفضل في الشغل . في أول مرّة كان عندي حداشر سنة , وبعدين ما رضتشِ اشتغل اكتر من كده عند الناس دوول . وعشان كده ابويا ضربني بالكرباج . ودلوقت ابويا بيضربني عَ النازلة والطالعة لأنه عاوز فلوس . طيب أجيب لُه فلوس منين ؟ من فترة بسيطة كنت مخطوبة لواحد , بس الخطوبة اتفسخت عشان الفلوس . كان راجل طيب . بياع خضار عنده 22 سنه , وغلبان زيّي ." [4]

وأخبرتنا أمآل أن والدها كان قد أخرجها من المدرسة قبل أن تنهي الصف الأول , وبعد ذلك منعها من إتمام الالتحاق بصفوف محو الأميّة التي التحقت بها في سن الثالثة عشرة "كنت خلّصت الصف الثاني لمّا ابويا خرجني , وقال لي 'دلوقت إنتِ بقيتي بنت كبيرة , وفي حاجات وحشة بتحصل [للبنات] في المدرسة' " . وكونها لم تتلقَ تعليماً إلاّ لمستوى الصف الثاني , فإنها تُعيل نفسها من خلال التسوّل وبيع المناديل الورقية . وكذلك فإن أخاها الأصغر يعيش في الشارع , ولكنها لا تراه إلاّ نادراً "أخويا ساب البيت كمان , أبويا قال لُه ما يرجعش البيت إلاّ معاه فلوس . وهو عنده أربعتاشر سنة ."

وبسبب عدم توفّر محل إقامة مستقر , و" مورد جدي للعيش" , ومن دون وجود" وسائل مشروعة للتعيش ", فإن تعريف الطفل "المعرّض للانحراف" بحسب القانون المصري [5ٍ] ينطبق على آمال . وبإمكان الشرطة القبض عليها وفقاً للقانون وفي أي وقت , ولقد جرى ذلك ست مرات حتى وقت إعداد هذا التقرير .

كانت المرّة الأخيرة التي قُبض فيها على آمال , قبيل بضعة أيام من مقابلتنا معها , في تموز (يوليو) 2002 , وكان ذلك خلال واحدة من الحملات المنتظمة التي تقوم بها شرطة القاهرة للقبض على أطفال الشوارع . وقالت آمال , "جت الحكومة وحطوني بميكروباص , وخدوني لقسم الشرطة بالساحل [في حي شبرا] , وطلّعوني السلم على مكتب التحقيق . وهناك , قام الضابط ضربني بأديه , وبعد كده عمل لي محضر تحرّي . وبعدين بعتني الدور التحتاني , للحجز . وفي المرّة دي اتحجزت يومين , وفي المرات التانية اتحجزت أربع أيام ."

وكحال جميع الأطفال الذين قابلتهم منظمة هيومان رايتس ووتش , فقد احتجزت الشرطة آمال , دون أن توفّر لها الطعام أو الفراش , وفي زنزانة مزدحمة وقذرة مع نساء بالغات قمن بضربها وتهديدها . لم تتدخل الشرطة لحماية آمال من الإيذاء الذي تعرضت له على يد المحتجزات البالغات , بل قام أفراد الشرطة بضربها وتهديدها مع فتيات أخريات محتجزات معها , كما استخدموا لغة جنسية مهينة . وروت لنا آمال : "عساكر المركز بيشتمونا بأمهاتنا, وساعات بيضربونا . أنا أمي ميّتة , وعشان كده ما بخليش حد يشتمها , ولما العساكر يشتموني برُدّ عليهم وبشتمهم . وساعات يروحوا يقولوا للضابط , وساعتها يجي الضابط ويضربني . هو عمل كده مرتين - هو نفس الضابط , شتمني وخلاّني أقف وبقى يضربني بالعصاية , ولما كنت أقع على الأرض كان يوقفني تاني . ضربني على جسمي كلّه - من راسي لرجليّا ." بالرغم من مرات الاحتجاز المتكررة التي تعرّضت لها آمال , إلاّ أن السلطات المصرية لم تقدّم لها أبداً الحماية والرعاية , ولم تقم كذلك بالتحقيق في شأن الإيذاء الذي تعرّضت له على يد الشرطة وعلى يد أفراد عائلتها . وبدلاً من ذلك , وحين يراها أفراد الشرطة في الشارع , فإنهم يفترضون أنها مجرمة ويقبضوا عليها , حتى يتأكدوا من عدم وجود أوامر معلّقة للقبض عليها . وقالت , "البوليس بيبعت أوراقنا للمديرية [مديرية أمن القاهرة] , علشان يشوفوا إن كان فيه قضايا ضدنا , ولمّا ما يلاقوش حاجة يسيبونا نمشي , وهمَّ بيبعتوا الأوراق [للمديرية] وما بيبعتوناش إحنا . وما يودوناش بيوتنا , همَّ يمشونا وبس , و عادةً يمشونا بالليل , حوالي نُص الليل أو الساعة واحدة الصبح ."

ليست قضية آمال قضية غير عادية , فالقانون المصري لا يُميّز فعلياً بين الأطفال الذين يرتكبون أفعالاً إجرامية , والأطفال الذين بحاجة لحماية . ويسمح الفصل الثامن من قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 , والمعنون "المعاملة الجنائية للأطفال" للشرطة بالقبض على الأطفال ممن لم يتجاوزوا الثامنة عشرة , وبسبب مجموعة متنوعة من النشاطات [6] . وتُعتبَر بعض هذه النشاطات "جريرة بحكم السن" , إذ لا تُشكّل جريمة فيما إذا ارتُكبت من قبل بالغين . أمّا النشاطات الأخرى , مثل التشرّد , والتسوّل , والقيام بأعمال تتصل بالدعارة أو القمار أو المخدرات أو خدمة من يقومون بها , وممارسة القمار , وتعاطي المخدرات , فهي تشكّل دليلاً واضحاً على أن الطفل بحاجة إلى حماية خاصة ومساعدة من الدولة .

وحتى عندما ينطبق على الطفل تعريف القانون المصري للطفل المحتاج للحماية , فإنه يواجه عوائق قانونية وعملية هائلة لتلقي تلك الحماية [7] . وعادة ما تقوم الشرطة بالقبض على الأطفال بما يخالف القانون , ودون إخطار أفراد من عائلاتهم , أو إخطار النيابة العامة . وفي الحالات التي تقوم فيها الشرطة بتقديم الطفل إلى النيابة العامة , فعادة ما تأمر النيابة العامة وقضاة محاكم الأحداث بإعادة الأطفال إلى عائلاتهم , من غير إجراء تحقيق ملائم حول أدلة إساءة المعاملة من قبل العائلة أو الشرطة , وعادة ما تقوم الشرطة المسئولة عن تنفيذ هذه الأوامر , وببساطة , بإخلاء سبيل الأطفال إلى الشوارع . ونادراً ما تأمر النيابة العامة للأحداث أو محاكم الأحداث , بإيداع الأطفال في مؤسسات الرعاية الاجتماعية , رغم أن اللائحة التنفيذية لقانون الطفل تسمح بذلك .

الضرب من قبل الشرطة

 

 

 

يقوم أفراد الشرطة في مقار الاحتجاز الخاصة بالبالغين , وفي حجز الأحداث في الأزبكية , وبصورة معتادة , بضرب الأطفال "المعرضين للانحراف" باستخدام الأيدي والعصي . وإضافة إلى ذلك , أحياناً ما يقوم أفراد الشرطة في مقار احتجاز البالغين , بضرب الأطفال مستخدمين خراطيم مطاطية أو سياط , بينما كثيراً ما يستخدم أفراد الشرطة في الأزبكية الأحزمة في ضرب الأطفال . إن استخدام الشرطة للضرب لهو من الشيوع بحيث أن الأطفال الذين قابلناهم , قد وصفوا تعرضهم للضرب بأنه ما هو إلا مرحلة يمرون بها , ما بين إلقاء القبض عليهم وإطلاق سراحهم . وقالت سميرة ي. , خمسة عشر عاماً , " أول حاجة يعملوها إنهم يخدونا القسم علشان يحرروا محضر التسوّل , وبعد كده يخدونا مديرية الأمن للتأكد من عدم وجود أوامر معلقة بالقبض عليهم , وبعد كده يرجعونا القسم . ولمّا ما يلاقوش أوامر معلقة بالقبض عليهم , يضربونا ويمشّونا"  .

عادة ما تقوم الشرطة المصرية بتعذيب المحتجزين وإساءة معاملتهم , من أجل الحصول على معلومات  . ومع هذا لم يتعرض أي من الأطفال الذين قابلناهم للضرب من أجل انتزاع معلومات . ووصف سيف س. , أربعة عشر عاماً , الضرب الذي حدث في قسم شرطة الجيزة , أثناء حملة لإلقاء القبض على الأطفال جرت قبل بضعة أشهر من مقابلتنا معه , وقال "كنا موجودين في زنزانة كبيرة مع الكبار , وكان أصغر عيّل شفته هناك , عنده حوالي حداشر سنة . أنا وصحابي الستة كلنا عندنا تلاتاشر أو اربعتاشر أو خمستاشر سنة . وجُم العساكر وضربونا بشومة عصا غليظة وخرطوم مطاطي . وما قالوش ليه , ما قالوش أي حاجة"  . وقال طارق أ. , ستة عشر عاماً , "قبل حوالي شهرين كنت بالمترو مع واحد صاحبي والعساكر مسكونا . خدوني إلى حجز البالغين في قسم شرطة الأزبكية وضربوني . ما قالوش أي حاجة . هم بس يضربوك بالعصاية . وبقيت هناك حوالي خمس أيام وبعدين روحوّني البيت"  .

 

من الظاهر أن ضرب الشرطة للأطفال "المعرضين للخطر" يحدث , وإلى حد بعيد , لمعاقبتهم , وتُتعمّد معاقبتهم إمّا من غير سبب واضح , أو بسبب مخالفات بسيطة يرتكبها الأطفال وهم محتجزين . وقد أخبرنا أمين شرطة متوسط الرتبة من قسم شرطة بولاق الدكرور , بأنه يقوم بضرب الأطفال من أجل أن يثنيهم عن البقاء في الشوارع , بالرغم من أنه يشك بأن الضرب هو رادع فعّال , وقال " أضربهم ويرجعوا , أخنقهم ويرجعوا . العيال دوول قضية ضايعين" . كما أعرب أمين الشرطة ذاته عن تذمره من أن الأطفال لا يعاملون بشدة كافية في مؤسسات الرعاية الاجتماعية الحكومية , وعبّر عن رغبته بسلطات أوسع لمعاقبة الأطفال , وقال " أروح إلى مؤسسة دور التربية للرعاية الاجتماعية علشان أسلّم طفل , والاقي الباب مفتوح والعيال بيلعبوا الكورة برّا . المعاملة دي مش صحيحة . دا مش إصلاح . العيال